"بطروا النعمة ، وبشموا من طيب العيش ، ومَلوا العافية. فطلبوا الكد"
والتعب كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم مكان المن والسلوى ، وقالوا:
لو كان جنى جناننا أبعد كان أجود أن نشتهيه ، وتمنوا أن يجعل الله بينهم
وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ، ويتزودوا الأزواد.
فعجل الله لهم الإجابة"."
وقد أورد الزمخشري فِي الآية قراءات أخرى نتعرض لواحدة منها لأنها هي
التي تدخل فِي موضوعنا لاختلاف المعنى معها.
وهي: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) . برفع"رَبنا"على الابتداء وفتح الدال والعين من"باعد"
ماض من المباعدة والمعنى على هذا يختلف من حيث الصياغة ، ومن حيث
المقصود.
فعلى القراءة الأولى تكون العبارة إنشاءً طلبياً ، وعلى الثانية خبر لا إنشاء.
وقد خرَّج الزمخشري المعنى على هذا الوجه فقال:
"والمعنى خلاف الأول هو استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوها لفرط تنعمهم وترفههم ، كأنهم يتشاجون على ريهم ويتحازنون عليه".
إنهم فِي الأول يشكون من قرب أسفارهم ويطلبون بعدها.
وفي الثاني يمثكون من بعد أسفارهم ، على الوجه الذي ذكره الزمخشري ، ويطلبون قربها.
* القيود وتعدد المعنى:
قال سبحانه: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا(8)
والشاهد فِي قوله"حُبِّهِ"فقد اختلفوا فِي مرجع الضمير على رأيين:
أولهما: أن يكون الضمير راجعاً للطعام لذكره قبله.
والمعنى: أنهم يطعمون الطعام وهم يحبونه لاحتياجهم إليه ، وتعلق أغراضهم به ، وهذا عملاً بقوله تعالى: (لن تَنَالُواْ البِر حَتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) .
وقوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) .
وثانيهما: أن يكون الضمير راجعاً إلى اسم الجلالة من باب الإضمار ولا ذكر
لقوة ظهوره. والمعنى عليه: ويطعمون الطعام على حب الله لا حب غيره ،