يقول الإمام فخر الدين الرازي: (( زعم قوم من قدماء الروافض أن هذا القرآن قد غُيِّر وبُدِّل ، وزيد فيه ونقص عنه ، واحتجوا عليه بأنه لا مناسبة بين هذه الآيات(من سورة القيامة) وبين ما قبلها ، ولو كان هذا الترتيب من عند الله تعالى لما كان الأمر كذلك ... )) (1) .
ولهذا السبب اخترنا هذه الآيات الكريمة لتكون مثالاً للنظر فيما تكلم به علماء القرآن المهتمون بأمر التناسب فِي القرآن الكريم .
وحتى لا نقع فِي محذور تكرار الأقوال ، وتزاحم النقول ، بما قد لا يفيد كثيراً ، فقد اخترتُ عشرةً من أهمِّ من تكلموا فِي هذا الموضع ، وعرضتُ لأقوالهم بحسب ترتيب وَفِياتهم ، حيث إن كلام بعضهم أصبح عمدةً من بعدهم ،
(1) مفاتيح الغيب ، 30/222 . وانظر فِي ذلك كتاب شيخنا الدكتور محمد أحمد يوسف القاسم - بارك الله فيه وأمتع به -: الإعجاز البياني فِي ترتيب آيات القرآن الكريم وسوره ، ص 470: 502 ، وكذلك: ص 522: 526 ، وانظر كذلك فِي الرد على هذه المطاعن الباطلة مقدمة كتاب (المباني فِي نظم المعاني) لمؤلف مغربي - فيما يظهر - مجهول (كتبها فِي حدود سنة 425?) ، والتي نشرها المستشرق الإنجليزي آرثر جفري ضمن كتابه (مقدمتان فِي علوم القرآن) نشر مكتبة الخانجي ، ط2/ 1972م ، ولا سيما فِي الفصل الرابع منها (ص 78: 117) . وعنوانه (فصل فِي بيان ما ادعوا على المصحف من الزيادة والخطأ والنقصان ، والكشف عنها بأوجز بيان) . ولعل من أقوى وأمتع ما كتب فِي دحض هذه المفتريات الواهية ، هو ما دبَّجه قلم الإمام الثبت الحجة أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت403?) - طيب الله ثراه - ، وذلك فِي كتابه بالغ الأهمية فِي هذا السياق (الانتصار للقرآن) - وقد سبقت الإشارة إليه من قبل - .. ففيه دفاع متين ، وحجج ناهضة ، وردود قوية عن كافة الأسئلة والشكوك التي تعرضت للقرآن المجيد من شتى الجهات: التاريخية ، والعقدية ، واللغوية ، والأسلوبية .. كل ذلك بطريقة الباقلاني الكلامية المحكمة ، وعقليته المنهجية الراسخة .