ولا تتفق مع صحة الإيمان ، بل هي أنواع من العبادة للقوي والعزيز والمستبد ، وللشهوات والنزعات وما إلى ذلك . ومتى كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير راجعين إلى الإيمان
بالله دخلاً فِي الأهواء الإنسانية ، فتجيء بها علة وتذهب بها علة ، فيعود أمر الإنسانية إلى التأكل والمهارشة والنزاع الحيواني فإن الحيوان فِي كل ما يسطو به إنما يامر بمعروف هو معروفه وحده
وينهى عن منكر هو منكره وحده ...
فانظر . هل جاءت علوم الفلسفة والاجتماع بعد ثلاثة عشر قرناً من نزول القرآن بما ينقضُ هذه الحقيقة ؛ وهل قررت إلا تفسيرها بوجوه ضعيفة مضطربة لا تبلغ فِي الكمال مبلغَها ولا
تقاربُ هذا المبلغ ؛ وهل فِي الآداب الإنسانية التي قامت عليها الأمم لهذا العهد مثل أن تكون سعادة الإنسان فِي منفعة الناس ، وإن احتمل فِي ذلك المكروه واقتحم الصًعاب وبَذَلَ من ذات
نفسه وحفظ من حق غيره ما يضئعه ولو ضاع هو فيه ، وذكر من واجبه ما ينساه ولو كان ذلك مما
يفقِده وينسيه ، ثم لا يكون هذا حتى يكون مقدماً على سعادة نفسه التي هي الإيمان ، تقدم السبب
على المسبب: كما يؤكد ذلك نسق النظم فِي الآية الشريفة التي مرَّت بك . .
اللهم إنه دينُكَ الذي شَرعته بكتابك المعجز ، بل دين الإنسانية الذي قلت فيه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30) .
تلك جملة من القول فِي الخُلق والعقل ؛ فلما ضعفت أخلاق القرآن فِي نفوس أهله ، لم ينفعهم العقل الذي أفادوه من استفاضة العلوم بينهم واستبحار فنونها ، ولم يغْن عنهم من الخلق شيئاً ، بل كان لهم ما تم للدولة الرومانية فِي عصر الامبراطرة الأول ، الذي ترجع إليه أسباب