فبهذه الأمور؛ من إيمان القلب، ورؤية الفؤاد، وصبر النفس، وكف اليد عن الانبساط فِي التمول فيما به القوام، تحصل قراءة حرف النهي، والله ولي التأييد.
الفصل الرابع
فيما به تحصل قراءة حرف الأمر
اعلم أن الوفاء بقراءة حرف النهي تماما، يفرغ لقراءة حرف الأمر، لأن المقتنع فِي معاش الدنيا يتيسر له التوسع فِي عمل الأخرى، والمتوسع فِي متاع الدنيا لا يمكنه التوسع فِي عمل الأخرى، لما بينهما من التضار والتضاد.
والذي تحصل به قراءة هذا الحرف:
أما من جهة القلب: فالتوحيد والإخلاص، وأعم ذلك البراءة من الشرك العظيم، بأن لا يتخذ مع الله إلها آخر، لأن المشرك فِي الإلهية لا تصح منه المعاملة بالعبادة. {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} .
وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الجلي، بأن لا يرى لله شريكا فِي شيء من أسمائه الظاهرة، لأن المشرك، فِي سائر أسمائه الظاهرة، لا يصح له القبول، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه، حتى يؤمن بالقدر.
ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم فِي الإخلاص، كإخلاص المنفق بأن الإنعام من الله، لا من العبد [المنفق، وكإخلاص المجاهد بأن النصرة من الله، لا من العبد] المجاهد: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} .
وكذلك سائر الأعمال يخصها الإخلاص فِي اسم من الأسماء، يكون أملك بذلك العمل.