إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) [المائدة: 91] .
سبب نزول هذه الآية: اختلف العلماء فِي سبب نزولها ، فروى الترمذي «1» أن عمر رضي اللّه عنه قال: اللهمّ بيّن لنا فِي الخمر بيان شفاء ، فنزلت الآية التي فِي البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ .. الآية فدعي عمر فقرئت عليه. فقال: اللهم بيّن لنا فِي الخمر بيان شفاء ، فنزلت التي فِي النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: 43] فدعي عمر رضي اللّه عنه فقرئت عليه ، ثم قال: اللهم بيّن لنا فِي الخمر بيان شفاء. فنزلت التي فِي المائدة إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فدعي عمر رضي اللّه عنه فقرئت عليه ، فقال: انتهينا انتهينا.
وروى ابن جرير «2» عن زيد بن علي قال: أنزل اللّه عزّ وجلّ فِي الخمر ثلاث مرات ، فأول ما أنزل قال اللّه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما قال: فشربها من المسلمين من شاء اللّه منهم على ذلك ، حتى شرب رجلان ، فدخلا فِي الصلاة ، فجعلا يهجران كلاما ، لا يدري عوف ما هو.
فأنزل اللّه عزّ وجلّ فيهما: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فشربها من شربها منهم وجعلوا يتقونها عند الصلاة ، حتى شربها فيما زعم أبو القموص فجعل ينوح على قتلى بدر بأبيات منها:
تحيّي بالسّلامة أمّ عمرو وهل لك بعد رهطك من سلام ذريني أصطبح بكرا فإني رأيت الموت نقّب عن هشام وودّ بنو المغيرة لو فدوه بألف من رجال أو سوام قال: فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فجاء فزعا يجر رداءه من الفزع ، حتى انتهى إليه ، فلما عاينه الرجل ، رفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا كان بيده ليضربه قال: أعوذ باللّه من غضب اللّه ورسوله ، واللّه لا أطعمها أبدا ، فأنزل اللّه تحريمها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ [المائدة: 90] إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقال عمر بن الخطاب: انتهينا ، انتهينا.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن آية البقرة لا تقتضي التحريم ، ولذلك شربها بعض الصحابة بعد نزولها ، كما هو ظاهر الروايات.
(1) رواه الترمذي فِي الجامع الصحيح (5/ 236) ، كتاب التفسير حديث رقم (3049) .
(2) رواه ابن جرير الطبري ، جامع البيان ، المشهور بتفسير الطبري (2/ 211) .