فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 3341

[ النساء: 135 ] أي بجنسي الغني والفقير لدلالة قوله: غنيًا أو فقيرًا على الجنسين . ولو رجع الضمير إلى المتكلم به لقيل أولى به على التوحيد . فإن قلت: لأي غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة ، وما بال ثمر الجنة لم يكن أجناسًا أخر؟ قلت: لأنّ الإنسان بالمألوف آنس ، وإلى المعهود أميل ، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه ، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد وتقدّم معه ألف ، ورأى فيه مزية ظاهرة ، وفضيلة بينة ، وتفاوتًا بينه وبين ما عهد بليغًا ، أفرط ابتهاجه واغتباطه ، وطال استعجابه واستغرابه ، وتبين كنه النعمة فيه ، وتحقق مقدار الغبطة به . ولو كان جنسًا لم يعهده وإن كان فائقًا ، حسب أنّ ذلك الجنس لا يكون إلا كذلك ، فلا يتبين موقع النعمة حق التبين . فحين أبصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها في الحجم ، وأن الكبرى لا تفضل عن حدّ البطيخة الصغيرة ، ثم يبصرون رمّانة الجنة تشبع السكن . والنبقة من نبق الدنيا في حجم الفلكة ، ثم يرون نبق الجنة كقلال هجر ، كما رأوا ظل الشجرة من شجر الدنيا وقدر امتداده ، ثم يرون الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه ، كان ذلك أبين للفضل ، وأظهر للمزية ، وأجلب للسرور ، وأزيد في التعجب من أن يفاجئوا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما . وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها ، دليل على تناهي الأمر وتمادي الحال في ظهور المزية وتمام الفضيلة ، وعلى أنّ ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي تعجبهم ، ويستدعي تبجحهم في كل أوان . عن مسروق: «نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها ، وثمرها أمثال القلال ، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى ، وأنهارها تجري في غير أخدود ، والعنقود أثنا عشر ذراعًا» . ويجوز أن يرجع الضمير في ( أتوا به ) إلى الرزق ، كما أن هذا إشارة إليه ، ويكون المعنى: أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانسًا في نفسه ، كما يحكى عن الحسن: يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ، ثم يؤتى بالأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل ، فيقول الملك: كل ، فاللون واحد والطعم مختلف . وعنه A:"والذي نفس محمد بيده ، إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدّل الله مكانها مثلها"فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا ذلك . والتفسير الأوّل هو هو . فإن قلت: كيف موقع قوله: { وَأُتُواْ بِهِ متشابها } من نظم الكلام؟

قلت: هو كقولك: فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل . ورأى من الرأي كذا وكان صوابًا . ومنه قوله تعالى: { وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وكذلك يَفْعَلُونَ } [ النمل: 34 ] وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت