فإن قلت: لم نكرت الجنات وعرّفت الأنهار . قلت: أما تنكير الجنات فقد ذكر . وأما تعريف الأنهار فأن يراد الجنس ، كما تقول: لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفواكه ، تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب . أو يراد أنهارها ، فعوّض التعريف باللام من تعريف الإضافة كقوله: { واشتعل الرأس شَيْبًا } [ مريم: 4 ] . أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله: { فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } [ محمد: 15 ] الآية .
وقوله: { كُلَّمَا رُزِقُواْ } لا يخلو من أن يكون صفة ثانية لجنات ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو جملة مستأنفة؛ لأنه لما قيل إن لهم جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا ، أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس؟ فقيل إنّ ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا ، أي أجناسها أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله . فإن قلت: ما موقع من { مِن ثَمَرَةٍ } ؟ قلت: هو كقولك: كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئًا حمدتك . فموقع { مِن ثَمَرَةٍ } موقع قولك من الرمان ، كأنه قيل: كلما رزقوا من الجنات من أي ثمرة كانت من تفاحها أو رمّانها أو عنبها أو غير ذلك رزقًا قالوا ذلك . فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لأنّ الرزق قد ابتدىء من الجنات ، والرزق من الجنات قد ابتدىء من ثمرة . وتنزيله تنزيل أن تقول: رزقني فلان ، فيقال لك: من أين؟ فتقول: من بستانه ، فيقال: من أي ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول: من رمّان . وتحريره أن «رزقوا» جعل مطلقًا مبتدأ من ضمير الجنات ، ثم جعل مقيدًا بالابتداء من ضمير الجنات ، مبتدأ من ثمرة ، وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفذة على هذا التفسير ، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار . ووجه آخر: وهو أن يكون { مِن ثَمَرَةٍ } بيانًا على منهاج قولك: رأيت منك أسدًا . تريد أنت أسد . وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار ، والجنات الواحدة . فإن قلت: كيف قيل: { هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } وكيف تكون ذات الحاضر عندهم في الجنة هي ذات الذي رزقوه في الدنيا؟ قلت: معناه هذا مثل الذي رزقناه من قبل . وشبهه بدليل قوله وأتوا به متشابهًا ، وهذا كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة ، تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته . فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: { وَأُتُواْ بِهِ } ؟ قلت: إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعًا؛ لأنّ قوله: { هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين . ونظيره قوله تعالى: { إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فالله أولى بِهِمَا }