{ صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من الصراط المستقيم ، وهو في حكم تكرير العامل ، كأنه قيل: اهدنا الصراط المستقيم ، اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم ، كما قال: { الذين استضعفوا * لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ } [ الأعراف: 75 ] ، فإن قلت: ما فائدة البدل؟ وهلا قيل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم؟ قلت: فائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير ، والإشعار بأنّ الطريق المستقيم بيانه وتفسيره: صراط المسلمين؛ ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده ، كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم؟ فلان؛ فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل ، لأنك ثنيت ذكره مجملًا أوّلًا ، ومفصلًا ثانيًا ، وأوقعت فلانًا تفسيرًا وإيضاحًا للأكرم الأفضل فجعلته علمًا في الكرم والفضل ، فكأنك قلت: من أراد رجلًا جامعًا للخصلتين فعليه بفلان ، فهو المشخص المعين لاجتماعهما فيه غير مدافع ولا منازع . والذين أنعمت عليهم: هم المؤمنون ، وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام؛ لأنّ من أُنعم عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه . وعن ابن عباس: هم أصحاب موسى قبل أن يغيروا ، وقيل هم الأنبياء . وقرأ ابن مسعود: «صراط من أنعمت عليهم» .
{ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ } بدل من الذين أنعمت عليهم ، على معنى أنّ المنعم عليهم: هم الذين سلموا من غضب الله والضلال ، أو صفة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان ، وبين السلامة من غضب الله والضلال . فإن قلت: كيف صح أن يقع { غَيْرِ } صفة للمعرفة وهو لا يتعرّف وإن أضيف إلى المعارف؟ قلت: { الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } لا توقيت فيه كقوله:
وَلَقَدْ أَمُرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّني ... ولأنّ المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم ، فليس في غير إذًا الإبهام الذي يأبى عليه أن يتعرّف ، وقرىء بالنصب على الحال؛ وهي قراءة رسول الله A وعمر بن الخطاب ، ورويت عن ابن كثير ، وذو الحال الضمير في عليهم ، والعامل أنعمت ، وقيل المغضوب عليهم: هم اليهود؛ لقوله D: { مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ } [ المائدة: 60 ] . والضالون: هم النصارى؛ لقوله تعالى: { قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ } [ المائدة: 77 ] ، فإن قلت ما معنى غضب الله؟ قلت: هو إرادة الانتقام من العصاة ، وإنزال العقوبة بهم ، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده نعوذ بالله من غضبه ، ونسأله رضاه ورحمته . فإن قلت: أي فرق بين { عَلَيْهِمْ } الأولى و { عَلَيْهِمْ } الثانية؟ قلت: الأولى محلها النصب على المفعولية ، والثانية محلها الرفع على الفاعلية . فإن قلت: لم دخلت «لا» في { وَلاَ الضالين } ؟ قلت: لما في غير من معنى النفي ، كأنه قيل: لا المغضوب عليهم ولا الضالين . وتقول: أنا زيدًا غير ضارب . مع امتناع قولك أنا زيدًا مثل ضارب ، لإنه بمنزلة قولك: أنا زيدًا لا ضارب . وعن عمر وعلي Bهما أنهما قرآ: وغير الضالين . وقرأ أيوب السختياني: «ولا الضألين» بالهمزة ، كما قرأ عمرو بن عبيد: «ولا جأن» وهذه لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين . ومنها ما حكاه أبو زيد من قولهم: شأبة ، ودأبة . آمين: صوت سمي به الفعل الذي هو استجب ، كما أنّ «رويد ، وحيهل ، وهلم» أصوات سميت بها الأفعال التي هي «أمهل ، وأسرع ، وأقبل» . وعن ابن عباس: