فهرس الكتاب

الصفحة 2467 من 3341

تمت قصة المؤمن وقرينه ، ثم رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فقال: { أذلك } الرزق { خَيْرٌ نُّزُلًا } أي خير حاصلًا { أَمْ شَجَرَةُ الزقوم } وأصل النزل: الفضل والريع في الطعام ، يقال: طعام كثير النزل ، فاستعير للحاصل من الشيء ، وحاصل الرزق المعلوم: اللذة والسرور ، وحاصل شجرة الزقوم: الألم والغمّ ، وانتصاب نزلًا على التمييز ، ولك أن تجعله حالًا ، كما تقول: أثمر النخلة خير بلحًا أم رطبًا؟ يعني أنّ الرزق المعلوم نزل أهل الجنة . وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم ، فأيهما خير في كونه نزلًا . والنزل: ما يقام للنازل بالمكان من الرزق . ومنه أنزال الجند لأرزاقهم ، كما يقال لما يقام لساكن الدار: السكن . ومعنى الأوّل: أَنّ للرزق المعلوم نزلًا ، ولشجر الزقوم نزلًا ، فأيهما خير نزلًا . ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم ، ولكن المؤمنين لما اختاروا ما أدى إلى الرزق المعلوم واختار الكافرون ما أدى إلى شجرة الزقوم قيل لهم ذلك توبيخًا على سوء اختيارهم { فِتْنَةً للظالمين } محنة وعذابًا لهم في الآخرة . أو ابتلاء لهم في الدنيا ، وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر ، فكذبوا . وقرىء: «نابتة» { فِى أَصْلِ الجحيم } قيل: منبتها في قعر جهنم ، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها: والطلع للنخلة ، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها: إما استعارة لفظية ، أو معنوية ، وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهية وقبح المنظر؛ لأنّ الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس ، لاعتقادهم أنه شرّ محض لا يخلطه خير ، فيقولون في القبيح الصورة: كأنه وجه شيطان ، كأنه رأس شيطان ، وإذا صوّره المصورون: جاؤا بصورته على أقبح ما يقدر وأهوله؛ كما أنهم اعتقدوا في المَلَكِ أنه خير محض لا شرّ فيه ، فشبهوا به الصورة الحسنة . قال الله تعالى: { مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } [ يوسف: 31 ] وهذا تشبيه تخييلي . وقيل: الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدًا . وقيل: إنّ شجرًا يقال له الأستن خشنًا منتنًا مرًا منكر الصورة ، يسمى ثمره: رؤوس الشياطين . وما سمت العرب هذا الثمر رؤوس الشياطين إلاّ قصدًا إلى أحد التشبيهين ، ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلًا ثالثًا يشبه به { مِنْهَا } من الشجرة ، أي من طلعها { فَمَالِئُونَ } بطونهم ، لما يغلبهم من الجوع الشديد ، أو يقسرون على أكلها وإن كرهوها ، ليكون بابًا من العذاب؛ فإذا شبعوا غلبهم العطش فيسقون شرابًا من غساق أو صديد ، شوبه: أي مزاجه { مِنْ حَمِيمٍ } يشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم ، كما قال في صفة شراب أهل الجنة { وَمِزَاجُهُ مِن تسنيم } [ المطففين: 27 ] وقرىء: «لشوبا» بالضم ، وهو اسم ما يشاب به ، والأوّل تسمية بالمصدر . فإن قلت: ما معنى حرف التراخي في قوله: { ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا } وفي قوله: { ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ } ؟ قلت: في الأوّل وجهان ، أحدهما: أنهم يملؤن البطون من شجرة الزقوم ، وهو حارّ يحرق بطونهم ويعطشهم ، فلا يسقون إلا بعد ما ملىء تعذيبًا بذلك العطش ، ثم يسقون ما هو أحرّ وهو الشراب المشوب بالحميم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت