روي:
( 326 ) أنّ كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا وغيرهما قالوا لرسول الله A: إن كنت نبيًا صادقًا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى . فنزلت . وقيل: كتابًا إلى فلان وكتابًا إلى فلان أنك رسول الله ، وقيل: كتابًا نعاينه حين ينزل . وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت ، قال الحسن: ولو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم ، وفيما آتاهم كفاية { فَقَدْ سَأَلُواْ موسى } جواب لشرط مقدر . معناه: إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى . { أَكْبَرَ مِن ذلك } وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى وهم النقباء السبعون ، لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومضاهين لهم في التعنت { جَهْرَةً } عيانًا بمعنى أرناه نره جهرة { بِظُلْمِهِمْ } بسبب سؤالهم الرؤية . ولو طلبوا أمرًا جائزًا لما سموا ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة ، كما سأل إبراهيم عليه السلام أن يريه إحياء الموتى فلم يسمه ظالمًا ولا رماه بالصاعقة ، فتبًا للمشبهة ورميًا بالصواعق { وَءَاتَيْنا مُوسَى اسلطانا مُّبِينًا } تسلطًا واستيلاء ظاهرًا عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم حتى يتاب عليهم فأطاعوه ، واحتبوا بأفنيتهم والسيوف تتساقط عليهم فيالك من سلطان مبين { بميثاقهم } بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه { وَقُلْنَا لَهُمُ } والطور مطل عليهم { ادخلوا الباب سُجَّدًا } ولا تعدوا في السبت ، وقد أخذ منهم الميثاق على ذلك ، وقولهم سمعنا وأطعنا ، ومعاهدتهم على أن يتموا عليه ثم نقضوه بعد . وقرىء: «لا تعتدوا» . «ولا تعدّوا» ، بادغام التاء في الدال { فَبِمَا نَقْضِهِم } فبنقضهم . و ( ما ) مزيدة للتوكيد . فإن قلت: بم تعلقت الباء؟ وما معنى التوكيد؟ قلت: إما أن يتعلق بمحذوف ، كأنه قيل: فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا ، وإما أن يتعلق بقوله: { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ } على أنّ قوله: { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ } [ النساء: 160 ] بدل من قوله: { فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } وأما التوكيد فمعناه تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك . فإن قلت: هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله: { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا } فيكون التقدير: فبما نقضهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم ، بل طبع الله عليها بكفرهم . قلت: لم يصح هذا التقدير لأنّ قوله: { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } ردّ وإنكار لقولهم: { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } فكان متعلقًا به ، وذلك أنهم أرادوا بقولهم: ( قلوبنا غلف ) أن الله خلق قلوبنا غلفًا ، أي في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة ، كما حكى الله عن المشركين وقالوا: { لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم } [ الزخرف: 20 ] وكمذهب المجبرة أخزاهم الله ، فقيل لهم: بل خذلها الله ومنعها الألطاف بسبب كفرهم ، فصارت كالمطبوع عليها ، لا أن تخلق غلفًا غير قابلة للذكر ولا متمكنة من قبوله .