فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 3341

فإن قلت: علام عطف قوله: { وَبِكُفْرِهِمْ } ؟ قلت: الوجه أن يعطف على ( فبما نقضهم ) ويجعل قوله: { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } كلامًا تبع قوله: { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } على وجه الاستطراد ، يجوز عطفه على ما يليه من قوله: ( بكفرهم ) . فإن قلت: ما معنى المجيء بالكفر معطوفًا على ما فيه ذكره ، سواء عطف على ما قبل حرف الإضراب ، أو على ما بعده ، وهو قوله: { وَكُفْرِهِم بئايات الله } وقوله: { بِكُفْرِهِمْ } ؟ قلت: قد تكرّر منهم الكفر ، لأنهم كفروا بموسى ، ثم بعيسى ، ثم بمحمد صلوات الله عليهم ، فعطف بعض كفرهم على بعض ، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه ، كأنه قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق ، والكفر بآيات الله ، وقتل الأنبياء وقولهم: قلوبنا غلف ، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم ، وافتخارهم بقتل عيسى ، عاقبناهم . أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا . والبهتان العظيم: هو التزنية . فإن قلت: كانوا كافرين بعيسى عليه السلام ، أعداء له ، عامدين لقتله ، يسمونه الساحر بن الساحرة ، والفاعل بن الفاعلة ، فكيف قالوا: ( إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ) ؟ قلت: قالوه على وجه الاستهزاء ، كقول فرعون { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } [ الشعراء: 27 ] ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعًا لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيمًا لما أرادوا بمثله كقوله: { لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْدًا } [ الزخرف: 9 ] روي أنّ رهطًا من اليهود سبوه وسبوا أمّه فدعا عليهم «اللَّهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني ، اللَّهم العن من سبني وسب والدتي» ، فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير ، فأجمعت اليهود على قتله ، فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود ، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا . فألقي- عليه شبهه فقتل وصلب . وقيل: كان رجلًا ينافق عيسى ، فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه ، فدخل بيت عيسى فرفع عيسى وألقي شبهه على المنافق ، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى ، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه إله لا يصح قتله . وقال بعضهم: إنه قتل وصلب . وقال بعضهم إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ وقال بعضهم رفع إلى السماء وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا . فإن قلت: { شُبّهَ } مسند إلى ماذا؟ إن جعلته مسندًا إلى المسيح ، فالمسيح مشبه به وليس بمشبه ، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر قلت: هو مسند إلى الجار والمجرور وهو { لهم } كقولك خيل إليه ، كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت