فهرس الكتاب

الصفحة 545 من 3341

غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ، ومنه قوله تعالى: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } [ الإسراء: 29 ] ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط ، ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازًا عنه لأنهما كلامان متعقبان على حقيقة واحدة ، حتى أنه يستعمله في ملك لا يعطي عطاء قط ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يد وبسطها وقبضها ، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلًا لقالوا: ما أبسط يده بالنوال ، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود ، وقد استعملوهما حيث لا تصحّ اليد كقوله:

جَادَ الْحِمَى بَسْطُ الْيَدَيْنِ بِوَابِل ... شَكَرَتْ نَدَاهُ تِلاَعُه وَوِهَادُهُ

ولقد جعل لبيد للشمال يدًا في قوله:

إذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشِّمَالِ زِمَامُهَا ... ويقال بسط اليأس كفيه في صدري ، فجعلت لليأس الذي هو من المعاني لا من الأعيان كفان . ومن لم ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية ، ولم يتخلص من يد الطاعن إذا عبثت به . فإن قلت: قد صحّ أن قولهم: { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } عبارة عن البخل . فما تصنع بقوله: { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } ؟ ومن حقه أن يطابق ما تقدمه وإلا تنافر الكلام وزل عن سننه؟ قلت: يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد ، ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم . ونحوه بيت الأشتر:

بَقِيتُ وَفْرى وَانْحَرَفْتُ عَنِ الْعُلا ... وَلَقِيتُ أَضْيَافِي بِوَجْهِ عَبُوسِ

ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة ، يغللون في الدنيا أسارى ، وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم: والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز ، كما تقول: سبني سب الله دابره ، أي قطعه؛ لأنَّ السَّب أصله القطع . فإن قلت: كيف جاز أن يدعو الله عليهم بما هو قبيح وهو البخل والنكد؟ قلت: المراد به الدعاء بالخذلان الذي تقسو به قلوبهم ، فيزيدون بخلًا إلى بخلهم ونكدًا إلى نكدهم ، أو بما هو مسبب عن البخل والنكد من لصوق العار بهم وسوء الأحدوثة التي تخزيهم وتمزق أعراضهم . فإن قلت: لم ثنيت اليد في قوله تعالى: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } وهي مفردة في { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } ؟ قلت: ليكون ردّ قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفي البخل عنه . وذلك أنّ غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعًا فبني المجاز على ذلك . وقرىء: «ولعنوا» بسكون العين . وفي مصحف عبد الله: «بل يداه بسطان» . يقال: يده بسط بالمعروف . ونحوه مشية شحح وناقة صرح { يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء } تأكيد للوصف بالسخاء ، ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت