( 814 ) سُئل رسول الله A: أيُّ الأجلَينِ قضَى موسَى؟ فقال: « أبعدهما وأبطأهما » وروي أنه قال:
( 815 ) « قَضى أوفَاهُما ، وتزوّج صغرَاهُما » وهذا خلاف الرواية التي سبقت . الجذوة باللغات الثلاث . وقرىء بهنّ جميعًا: العود الغليظ ، كانت في رأسه نار أو لم تكن ، قال كُثَيِّرُ:
بَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْنَ لَهَا ... جَزْلَ الْجُذَى غَيْرَ خَوَّارٍ وَلاَ دَعِرِ
وقال:
وَأَلْقَى عَلَى قَبْشٍ مِنَ النَّارِ جَذْوَةً ... شَدِيدًا عَلَيْهِ حَرُّهَا وَالْتِهَابُهَا
{ مِن } الأولى والثانية لابتداء الغاية ، أي: أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة . و { مِنَ الشجرة } بدل من قوله: من شاطىء الوادي ، بدل الاشتمال؛ لأنّ الشجرة كانت نابتة على الشاطىء ، كقوله تعالى: { لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ } [ الزخرف: 33 ] وقرىء: { البقعة } بالضم والفتح . و { الرهب } بفتحتين ، وضمتين ، وفتح وسكون ، وضم وسكون: وهو الخوف . فإن قلت: ما معنى قوله: { واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب } ؟ قلت: فيه معنيان ، أحدهما: أنّ موسى عليه السلام لما قلب الله العصا حية: فزع واضطرب ، فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء ، فقيل له: إنّ إتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء . فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية ، فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك ، وإظهار معجزة أخرى . والمراد بالجناح: اليد؛ لأنّ يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر . وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى ، فقد ضمّ جناحه إليه . والثاني: أن يراد بضم جناحه إليه: تجلده وضبطه نفسه . وتشدّده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب ، استعارة من فعل الطائر؛ لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما . وإلا فجناحاه مضمومتان إليه مشمران . ومنه ما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أنّ كاتبًا له كان يكتب بين يديه ، فانفلتت منه فلتة ريح ، فخجل وانكسر ، فقام وضرب بقلمه الأرض ، فقال له عمر: خذ قلمك ، واضمم إليك جناحك ، وليفرخ روعك ، فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي . ومعنى قوله: ( من الرهب ) من أجل الرهب ، أي: إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك: جعل الرهب الذي كان يصيبه سببًا وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه . ومعنى: { واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } ، وقوله: { اسلك يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } على أحد التفسيرين: واحد . ولكن خولف بين العبارتين ، وإنما كرّر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين ، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني: إخفاء الرهب . فإن قلت قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضمومًا وفي الآخر مضمومًا إليه ، وذلك قوله: { واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } وقوله: