فهرس الكتاب

الصفحة 784 من 3341

{ لميقاتنا } لوقتنا الذي وقتنا له وحدّدناه . ومعنى اللام الاختصاص فكأنه قيل: واختصّ مجيئه بميقاتنا ، كما تقول: أتيته لعشر خلون من الشهر { وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } من غير واسطة كما يكلم الملك ، وتكليمه: أن يخلق الكلام منطوقًا به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطًا في اللوح وروي: أن موسى عليه السلام كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة . وعن ابن عباس Bه: كلمه أربعين يومًا وأربعين ليلة ، وكتب له الألواح . وقيل: إنما كلمه في أوّل الأربعين { أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } ثاني مفعولي أرني محذوف أي أرني نفسك أنظر إليك ، فإن قلت: الرؤية عين النظر ، فكيف قيل: أرني أنظر إليك؟ قلت: معنى أرني نفسك ، اجعلني متمكنًا من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك ، فإن قلت: فكيف قال: { لَن تَرَانِى } ولم يقل: لن تنظر إليّ لقوله: { أَنظُرْ إِلَيْكَ } ؟ قلت: لما قال: { أَرِنِى } بمعنى اجعلني متمكنًا من الرؤية التي هي الإدراك ، علم أن الطِّلْبَة هي الرؤية لا النظر الذي لا إدراك معه ، فقيل: لن تراني ، ولم يقل لن تنظر إليّ . فإن قلت: كيف طلب موسى عليه السلام ذلك -وهو من أعلم الناس بالله وما يجوز عليه وما لا يجوز ، وبتعاليه عن الرؤية التي هي إدراك ببعض الحواس ، وذلك إنما يصحّ فيما كان في جهة . وما ليس بجسم ولا عرض فمحال أن يكون في جهة . ومنعُ المجبرة إحالته في العقول غير لازم ، لأنه ليس بأوّل مكابرتهم وارتكابهم ، وكيف يكون طالبه وقد قال- حين أخذت الرجفة الذين قالوا أرنا الله جهرة - { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا } [ الأعراف: 155 ] إلى قوله: { تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء } [ الأعراف: 155 ] فتبرأ من فعلهم ودعاهم سفهاء وضلالًا ؟ قلت: ما كان طلب الرؤية إلاّ ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالًا ، وتبرأ من فعلهم ، وليلقمهم الحجر ، وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبههم على الحق ، فلجوا وتمادوا في لجاجهم وقالوا: لا بدَّ ، ولن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأراد أن يسمعوا النصّ من عند الله باستحالة ذلك ، وهو قوله: { لَن تَرَانِى } ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة ، فلذلك قال: { رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } . فإن قلت: فهلا قال: أرهم ينظروا إليك؟ قلت: لأنّ الله سبحانه إنما كلم موسى عليه السلام وهم يسمعون ، فلما سمعوا كلام رب العزّة أرادوا أن يرى موسى ذاته فيبصروه معه ، كما أسمعه كلامه فسمعوه معه ، إرادة مبنية على قياس فاسد ، فلذلك قال موسى: أرني أنظر إليك ، ولأنه إذا زجر عما طلب ، وأنكر عليه في نبوّته واختصاصه وزلفته عند الله تعالى ، وقيل له: لن يكون ذلك: كان غيره أولى بالإنكار ، لأنّ الرسول إمام أمته ، فكان ما يخاطب به أو ما يخاطب راجعًا إليهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت