الحمد والمدح أخوان ، وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها . تقول: حمدت الرجل على إنعامه ، وحمدته على حسبه وشجاعته . وأمّا الشكر فعلى النعمة خاصة وهو بالقلب واللسان والجوارح قال:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ منِّي ثلاثة ... يَدِي ولِسَانِي والضَّمِيرَ المُحَجَّبَا
والحمد باللسان وحده ، فهو إحدى شعب الشكر ، ومنه قوله عليه [ الصلاة و ] السلام:
( 2 ) "الحمد رأس الشكر ، ما شكر الله عبد لم يحمده"وإنما جعله رأس الشكر؛ لأنّ ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها ، أشيع لها وأدلّ على مكانها من الاعتقاد وآداب الجوارح لخفاء عمل القلب ، وما في عمل الجوارح من الاحتمال ، بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن كلّ خفي ويجلي كل مشتبه .
والحمد نقيضه الذمّ ، والشكر نقيضه الكفران ، وارتفاع الحمد بالابتداء وخبره الظرف الذي هو «لله» وأصله النصب الذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله على أنه من المصادر التي تنصبها العرب بأفعال مضمرة في معنى الإخبار ، كقولهم: شكرًا ، وكفرًا ، وعجبًا ، وما أشبه ذلك ، ومنها: سبحانك ، ومعاذ الله ، ينزلونها منزلة أفعالها ويسدّون بها مسدّها ، لذلك لا يستعملونها معها ويجعلون استعمالها كالشريعة المنسوخة ، والعدل بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره . ومنه قوله تعالى: { قَالُواْ سلاما قَالَ سلام } [ هود: 69 ] ، رفع السلام الثاني للدلالة على أنّ إبراهيم عليه السلام حياهم بتحية أحسن من تحيتهم؛ لأن الرفع دال على معنى ثبات السلام لهم دون تجدّده وحدوثه . والمعنى: نحمد الله حمدًا ، ولذلك قيل: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ؛ لأنه بيان لحمدهم له ، كأنه قيل: كيف تحمدون؟ فقيل: إياك نعبد . فإن قلت: ما معنى التعريف فيه؟ قلت: هو نحو التعريف في أرسلها العراك ، وهو تعريف الجنس ، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أنّ الحمد ما هو ، والعراك ما هو ، من بين أجناس الأفعال . والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم . وقرأ الحسن البصري: { الحمد ِللَّهِ } بكسر الدال لإتباعها اللام . وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: { الحمد ِللَّهِ } بضم اللام لإتباعها الدال ، والذي جسرهما على ذلك والإتباع إنما يكون في كلمة واحدة كقولهم منحدر الجبل ومغيرة تنزل الكلمتين منزلة كلمة لكثرة استعمالهما مقترنتين ، وأشف القراءتين قراءة إبراهيم حيث جعل الحركة البنائية تابعة للإعرابية التي هي أقوى ، بخلاف قراءة الحسن .
الرب: المالك . ومنه قول صفوان لأبي سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إليّ من أن يربني رجل من هوازن . تقول: ربه يربه فهو رب ، كما تقول: نمّ عليه ينمّ فهو نمّ . ويجوز أن يكون وصفًا بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل ، ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده ، وهو في غيره على التقيد بالإضافة ، كقولهم: رب الدار ، ورب الناقة ، وقوله تعالى: