فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 3341

وتقول: إله واحد صمد ، كما تقول: رجل كريم خير . وأيضًا فإنّ صفاته تعالى لا بدّ لها من موصوف تجرى عليه ، فلو جعلتها كلها صفات بقيت غير جارية على اسم موصوف بها وهذا محال . فإن قلت: هل لهذا الاسم اشتقاق؟ قلت: معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعدًا معنى واحد ، وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم: أله ، إذا تحير ، ومن أخواته: دله ، وعله ، ينتظمهما معنى التحير والدهشة ، وذلك أنّ الأوهام تتحير في معرفة المعبود وتدهش الفطن ، ولذلك كثر الضلال ، وفشا الباطل ، وقل النظر الصحيح . فإن قلت: هل تفخم لأمه؟ قلت: نعم قد ذكر الزجاج أنّ تفخيمها سنة ، وعلى ذلك العرب كلهم ، وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابرًا عن كابر . و ( الرحمن ) فعلان من رحم ، كغضبان وسكران ، من غضب وسكر ، وكذلك ( الرحيم ) فعيل منه ، كمريض وسقيم ، من مرض وسقم ، وفي ( الرحمن ) من المبالغة ما ليس في ( الرحيم ) ، ولذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة ، ورحيم الدنيا ، ويقولون: إنّ الزيادة في البناء لزيادة المعنى . وقال الزّجّاج في الغضبان: هو الممتلىء غضبًا . ومما طنّ على أذني من ملح العرب أنهم يسمون مركبًا من مراكبهم بالشقدف؟ وهو مركب خفيف ليس في ثقل محامل العراق ، فقلت في طريق الطائف منهم لرجل ما اسم هذا المحمل؟ أردت المحمل العراقي فقال: أليس ذاك اسمه الشقدف؟ قلت: بلى ، فقال: هذا اسمه الشقنداف ، فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى ، وهو من الصفات الغالبة كالدبران ، والعيوق ، والصعق لم يستعمل في غير الله عزّ وجلّ ، كما أنّ ( الله ) من الأسماء الغالبة . وأما قول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة ، وقول شاعرهم فيه:

وأَنْتَ غَيْثُ الوَرَى لا زِلْتَ رَحْمَانَا ... فباب من تعنتهم في كفرهم . فإن قلت: كيف تقول: الله رحمن ، أتصرفه أم لا؟ قلت: أقيسه على أخواته من بابه ، أعني: نحو عطشان ، وغرثان ، وسكران ، فلا أصرفه . فإن قلت: قد شرط في امتناع صرف فعلان أن يكون فعلان فعلى واختصاصه بالله يحظر أن يكون فعلان فعلى ، فلم تمنعه الصرف؟ قلت: كما حظر ذلك أن يكون له مؤنث على فعلى كعطشى فقد حظر أن يكون له مؤنث على فعلانة كندمانة ، فإذًا لا عبرة بامتناع التأنيث للاختصاص العارض فوجب الرجوع إلى الأصل قبل الاختصاص وهو القياس على نظائره . فإن قلت: ما معنى وصف الله تعالى بالرحمة ومعناها العطف والحنوّ ومنها الرحم لانعطافها على ما فيها؟ قلت: هو مجاز عن إنعامه على عباده؛ لأنّ الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وإنعامه ، كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة عنف بهم ومنعهم خيره ومعروفه . فإن قلت: فلم قدّم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه ، والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقولهم: فلان عالم نحرير ، وشجاع باسل ، وجواد فياض؟ قلت: لما قال [ الرَّحْمَنِ ] فتناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها ، أردفه ( الرحيم ) كالتتمة والرديف ليتناول ما دقّ منها ولطف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت