فإن قلت: من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون ، نحو كاف التشبيه ولام الابتداء وواو العطف وفائه وغير ذلك ، فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر؟ قلت: أما اللام فللفصل بينها وبين لام الابتداء ، وأما الباء فلكونها لازمة للحرفية والجر ، والاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون ، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة ، لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن إذا كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن ، لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة ، ولوضعها على غاية من الإحكام والرصانة ، وإذا وقعت في الدرج لم تفتقر إلى زيادة شيء . ومنهم من لم يزدها واستغنى عنها بتحريك الساكن ، فقال: سم وسم . قال:
بِاسْمِ الذِي في كلِّ سُورةٍ سِمُهْ ... وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز: كيد ودم ، وأصله: سمو ، بدليل تصريفه: كأسماء ، وسمي ، وسميت ، واشتقاقه من السمو ، لأنّ التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره ، ومنه قيل للقب النبز: من النبز بمعنى النبر ، وهو رفع الصوت . والنبز قشر النخلة الأعلى . فإن قلت: فلم حذفت الألف في الخط وأثبتت في قوله: باسم ربك؟ قلت: قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط لكثرة الاستعمال ، وقالوا: طُوِّلَتِ الباء تعويضًا من طرح الألف . وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال لكاتبه: طوّل الباء وأظهر السنات ودوّر الميم . و ( الله ) أصله الإله . قال:
مَعَاذَ الإِلهِ أَنْ تَكُونَ كظَبْيَةٍ ... ونظيره: الناس ، أصله الأناس . قال:
إنَّ المَنايَا يَطَّلِعْ ... نَ عَلَى الأنَاسِ الآمِنِينَا
فحذفت الهمزة وعوّض منها حرف التعريف ، ولذلك قيل في النداء: يا ألله بالقطع ، كما يقال: يا إله ، والإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل ، ثم غلب على المعبود بحق ، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا ، وكذلك السنة على عام القحط ، والبيت على الكعبة ، والكتاب على كتاب سيبويه . وأما ( الله ) بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق ، لم يطلق على غيره . ومن هذا الاسم اشتق: تأله ، وأله ، واستأله . كما قيل: استنوق ، واستحجر ، في الاشتقاق من الناقة والحجر . فإن قلت: أاسم هو أم صفة؟ قلت: بل اسم غير صفة ، ألا تراك تصفه ولا تصف به ، لا تقول: شيء إله ، كما لا تقول: شيء رجل .