{ الطلاق } بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم ، أي التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ، ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير ، كقوله: { ثم ارجع البصر كرّتين } [ الملك: 4 ] أي كرّة بعد كرّة ، لا كرّتين اثنتين . ونحو ذلك من التثاني التي يراد بها التكرير قولهم: لبيك وسعديك وحنانيك وهذاذيك ودواليك . وقوله تعالى: { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } تخيير لهم بعد أن علمهم كيف يطلقون ، بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة والقيام بمواجبهنّ ، وبين أن يسرحوهنّ السراح الجميل الذي علمهم . وقيل: معناه الطلاق الرجعي مرّتان ، لأنه لا رجعة بعد الثلاث ، فإمساك بمعروف أي برجعة ، أو تسريح بإحسان أي بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدّة ، أو بأن لا يراجعها مراجعة يريد بها تطويل العدة عليها وضرارها . وقيل: بأن يطلقها الثالثة في الطهر الثالث . وروي:
( 127 ) أنّ سائلًا سأل رسول الله A: أين الثالثة؟ فقال E:"أو تسريح بإحسان"وعند أبي حنيفة وأصحابه: الجمع بين التطليقتين والثلاث بدعة ، والسنة أن لا يوقع عليها إلا واحدة في طهر لم يجامعها فيه ، لما روي في حديث ابن عمر:
( 128 ) أنّ رسول الله A قال له:"إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالًا فتطلقها لكل قرء تطليقة"وعند الشافعي . لا بأس بإرسال الثلاث .
( 129 ) لحديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها ثلاثًا بين يدي رسول الله A فلم ينكر عليه . روي:
( 130 ) أنّ جميلة بنت عبد الله بن أبيّ كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها . فأتت رسول الله A فقالت: يا رسول الله ، لا أنا ولا ثابت ، لا يجمع رأسي ورأسه شيء ، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق ، ولكني أكره الكفر في الإسلام ، ما أطيقه بغضًا ، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة فإذا هو أشدهم سوادًا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهًا فنزلت ، وكان قد أصدقها حديقة فاختلعت منه بها وهو أوّل خلع كان في الإسلام . فإن قلت: لمن الخطاب في قوله: { وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ } ؟ إن قلت للأزواج لم يطابقه قوله { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله } وإن قلت للأئمة والحكام فهؤلاء ليسوا بآخذين منهن ولا بمؤتيهن؟ قلت: يجوز الأمران جميعًا: أن يكون أوّل الخطاب للأزواج ، وآخره للأئمة والحكام ، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره ، وأن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام ، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم ، فكأنهم الآخذون والمؤتون { مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } مما أعطيتموهنّ من الصدقات { إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله } إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية ، لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } فلا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما أعطت { فِيمَا افتدت بِهِ } فيما فدت به نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر . والخلع بالزيادة على المهر مكروه وهو جائز في الحكم . وروي أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر Bه ، فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ثم دعاها فقال: كيف وجدت مبيتك؟ قالت: ما بت منذ كنت عنده أقر لعيني منهن . فقال لزوجها: اخلعها ولو بقرطها . قال قتادة: يعني بمالها كله ، هذا إذا كان النشوز منها ، فإن كان منه كره له أن يأخذ منها شيئًا . وقرىء «إلا» أن يخافا ، على البناء للمفعول وإبدال أن لا يقيما من ألف الضمير ، وهو من بدل الاشتمال كقولك: خيف زيد تركه إقامة حدود الله . ونحوه