معنى الخون: النقص ، كما أن معنى الوفاء التمام . ومنه: تخوّنه ، إذا تنقصه ، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء ، لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه ، وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب ، وخان المشتار السبب لأنه إذا انقطع به فكأنه لم يف له . ومنه قوله تعالى: { وَتَخُونُواْ أماناتكم } والمعنى لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه ، ورسوله بأن لا تستنوا به . و { أماناتكم } فيما بينكم بأن لا تحفظوها { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } تبعة ذلك ووباله ، وقيل وأنتم تعلمون أنكم تخونون ، يعني أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو . وقيل: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن . وروي:
( 421 ) أن نبي الله A حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام ، فأبى رسول الله A إلا أن ينزلوا على حكم سعد ابن معاذ ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة مروان بن عبد المنذر وكان مناصحًا لهم لأنّ عياله وماله في أيديهم ، فبعثه إليهم فقالوا له: ما ترى ، هل ننزل على حكم سعد؟ فأشار إلى حلقه إنه الذبح ، قال أبو لبابة فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت ، فشدّ نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموت أو يتوب الله عليّ ، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشيًا عليه ثم تاب الله عليه ، فقيل له: قد تيب عليك فحل نفسك . فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله A هو الذي يحلني ، فجاءه فحله بيده فقال: إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ، وأن أنخلع من مالي . فقال A: يجزيك الثلث أن تتصدّق به . وعن المغيرة: نزلت في قتل عثمان بن عفان Bه . وقيل: { أماناتكم } ما ائتمنكم الله عليه من فرائضه وحدوده . فإن قلت: { وَتَخُونُواْ } جزم هو أم نصب؟ قلت: يحتمل أن يكون جزمًا داخلًا في حكم النهي وأن يكون نصبًا بإضمار «أن» كقوله: { وَتَكْتُمُواْ الحق } [ البقرة: 42 ] وقرأ مجاهد: «وتخونوا أمانتكم» ، على التوحيد .