( 213 ) لما رمى عبد الله بن قمئة الحارثي رسول الله A بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه ، أقبل يريد قتله فذب عنه A مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد ، حتى قتله ابن قمئة وهو يرى أنه رسول الله A ، فقال: قد قتلت محمدًا . وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل . وقيل: كان الصارخ الشيطان ، ففشا في الناس خبر قتله فانكفؤا ، فجعل رسول الله A يدعو: «إليّ عباد الله» حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه ، فلامهم على هربهم ، فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين فنزلت وروي:
( 214 ) أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبيّ يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان . وقال ناس من المنافقين: لو كان نبيا لما قتل ، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم . فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم ، إن كان قتل محمد فإن رب محمد حيٌّ لا يموت ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله A ، فقاتلوا على ما قاتل عليه ، وموتوا على ما مات عليه . ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ، ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل . وعن بعض المهاجرين: أنه مرّ بأنصاري يتشحط في دمه ، فقال يا فلان ، أشعرت أن محمدًا قد قتل ، فقال: إن كان قتل فقد بلغ ، قاتلوا على دينكم . والمعنى { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل } فسيخلو كما خلوا ، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم ، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه ، لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة ، لا وجوده بين أظهر قومه { أَفإيْن مَّاتَ } الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبيب ، والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سببًا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل ، مع علمهم أنّ خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به يجب أن يجعل سببًا للتمسك بدين محمد A ، لا للانقلاب عنه . فإن قلت: لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل؟ قلت: لكونه مجوّزًا عند المخاطبين . فإن قلت: أما علموه من ناحية قوله: { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } [ المائدة: 67 ] ؟ قلت: هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوي البصيرة . ألا ترى أنهم سمعوا بخبر قتله فهربوا ، على أنه يحتمل العصمة من فتنة الناس وإذلالهم . والانقلاب على الأعقاب: الإدبار عما كان رسول الله A يقوم به من أمر الجهاد وغيره .