ومن أخطاء كثير من المفسرين أنهم لا يجمعون الأدلة مع الأدلة التي يتوهم منها المعارضة في مكان واحد، ثم يجمعون بينها أو يرجحون، وإنما ينطلقون مع الآية دون النظر في الآيات الأخرى، ولو جاءوا بآيات الذم المجمل عند الثناء المجمل ثم بيّنوا أن هذا لا يعني التناقض، وإنما هذه الآيات تكون في حق هؤلاء، وهذه الآيات في حق هؤلاء؛ لكان هذا تفسيرًا أفضل، لكونه يزيل عن الأذهان ما تتوهمه من تعارض وتدافع.
ثم إنكم لا تحتجون بالمفسرين عندما يذمون بعض الصحابةكالوليد بن عقبة، فإنهم اتفقوا على أن آية {...إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} نزلت في الوليد، وذكروا صحابة آخرين نزلت آيات في ذمهم، وذم طريقتهم، فلماذا تحتجون بالمفسرين إذا شئتم وتتركونهم إذا شئتم؟!.
وقد يقول قائل: ألست تأخذ بأقوالهم في الوليد، وتترك أقوالهم في تبرئة كل الصحابة؟.
أقول: هذا القول اتهام منكم للمفسرين بالتناقض، فأنتم تقولون إن قولهم بعدالة الصحابة ينقض قولهم في الوليد وأمثاله!.
وأنا أقول إن قولهم بعدالة الصحابة لا يعنون به إنزال هذه العدالة على كل فرد، ولو كانوا يعتقدون ذلك لوقعوا في التناقض.
وأنا لم آخذ بأقوال المفسرين في الوليد، وإنما بحثت أسانيد القصة البالغة نحو عشرة أسانيد، واتضح لي صحة القصة، ثم استأنست بإجماع المفسرين تقريبًا على ذكر القصة، والاحتجاج بها وتصحيحها، بينما لا تجدون إسنادًا واحدًا صحيحًا صريحًا يقول بعدالة كل فرد من الصحابة.
وقد نقل بعض المفسرين قول عمر في تفسير الآية السابقة {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} بقوله: (لو شاء لقال(أنتم) فكنا كلنا، ولكن قال (كنتم) في خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن صنع مثل صنيعهم كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).