فيقترح أن يكون ما يدرس على أقل تقدير متصلًا بالموضوعات النافعة، فإن اللغات الحية والعلوم ليست أقل قدرة على تكوين العقل من اللغة اللاتينية.
يجب أن نعتقد أن نقد مسيو لالمان قد أصاب موضع الضعف، فقد أحدث حركة سخط عنيفة في صف رجال الجامعة، ولم يوفق الخطيب إلى إقناع صحيفة كبرى بأن تنشر رده على مقالات حادة نشرها أحد القليلين الذين يعجبون بمناهجنا التعليمية.
أثبتُ جملًا من الخطب الرسمية التي ألُقيت حديثًا؛ لأبين إلى أي حدٍّ من الغور وصل جهل أساتذتنا فنَّ التعليم، كل هؤلاء الأخِصَّائيين النابهين مهرة مجودون كما قلت ما
داموا في معاملهم أو مكاتبهم، فإذا تجاوزوها وهنت أسباب تفكيرهم وضعفت قوتهم على الحكم ضعفًا ظاهرًا.
جهل الجامعة لا يسمح لها أن تفهم أن السبب الأساسي لما تشكو منه من الانحطاط إنما هو فقر مناهجها التعليمية،
ولن يحتاج قراء هذا الكتاب إلى أن يلموا بكثير من صحفه ليفهموا هذه المناهج وما يمكن أن تُحدث من أثر، وليروا أنها
واحدة في جميع فروع التعليم العالي والثاني والأول، المنهج واحد سواء في ذلك قسم من أقسام الجامعة أو مدرسة
المعلمين أو مدرسة الهندسة أو مدرسة من مدارس الزراعة أو مدرسة أولية، يمكن أن تغير البرامج كما يقع
ذلك في كل يوم، ولكن هذا التغيير لا يمس منهج التعليم فلا يمس نتيجته، بل قد انحطت هذه النتيجة
انحطاطًا فاحشًا عما كانت منذ ثلاثين سنة، ذلك أنهم فكروا في إصلاح التعليم بتغيير البرامج وتعقيدها،
فإذا أردت أن تعرف ما يمتاز به تعليمنا في جميع درجاته فهو التعقيد والتكلف البيزنطي وازدراء الحقيقة
الواقعة، ويكفي أن تقارن بين الكتب المدرسية اليوم والكتب المدرسية القديمة لتعرف بأي سرعة قوي هذا الميل،
ذلك أن مؤلفي هذه الكتب يعلمون أي نوع من الكتب يجب أن يؤلفوا؛ ليرضوا زعماء الجامعة الذين يملكون
تقديمهم وتأخيرهم فلا يكتبون إلا ما يرضيهم، فالأستاذ الذي ينشر الآن كتابًا على نحو هذا الكتاب المتقن
الذي نشره تندال فيىالضوء والصوت والحرارة، يفقد كل قيمة ويمضي حياته خاملًا في مدرسة من مدارس الأقاليم.
ومما لا شك فيه أن التلميذ لا يفهم شيئًا من هذه السخافات التي تُلقى إليه باسم العلم أو الأدب، فهو يستظهر
منها نُتفًا يعد بها الامتحان، فإذا مضت ثلاثة أشهر ذهبت هذه المحفوظات كأن لم تكن، فقد أظهر مسيو ليبمان
للجنة التحقيق - ويجب تصديقه؛ لأن مسيو دربو قد أيَّد أقواله - أن أكثر الحائزين للشهادة الثانوية يعجزون
بعد مضي أشهر على الامتحان أن يحلوا مسألة حسابية، وقد اضطرت الجامعة إلى أن تنشئ في السربون درسًا
خاصٍّا للحساب الأولي لحملة الشهادة الثانوية العلمية الذين يريدون أن يحصلوا على شهادة علوم الطبيعة والمواليد الثلاثة.
لا يبقى في نفس الشباب الذي مر بالمدارس الثانوية من كل هذه الكتب التي استظهرت بمشقةٍ وعناء إلا سخط
شديد على الدرس، وازدراء عميق لكل ما هو علمي، بذلك ينبئنا الأستاذ ليبمان أيضًا فيقول: «إن العقل العلمي
أقل شيوعًا في فرنسا منه في أي بلد من بلاد أوروبا، أقل شيوعًا منه في أمريكا واليابان، وقد أحست الصناعة
الأهلية أضرار هذا الجهل إحساسًا شديدًا كما ظهرت أضراره في غير الصناعة، ما سبب هذا الشر؟ يجب أن نتهم
تعليمنا العام الذي لا يعرف من التربية إلا تربية العهد القديم.»
كل هذا حق، ولكنا نكرر أن الصينيين والبيروقراطيين ليسوا مصدر البلاء، فالجامعة في هذه الأيام تستمتع بحريةٍ
مطلقة، والسلطة العامة لا ترد لها طلبًا وهي تغدق عليها الأموال، ثم هي تغير دائمًا برامجها دون أن تمس مناهجها
بشيءٍ من التغيير، ومع ذلك فيجب عليها أن تعكس فتغير المناهج دون البرامج، وستظل نتيجة التعليم سيئة ما
دامت الجامعة لا تفهم هذا.
فليس من سبيلٍ إلى إحياء الجيف، إذن فلا أمل في أن ترضى الجامعة بهذا التغيير، بل إذا أرادت أن تغير مناهجها
على بعد هذا وتعسره فأين تجد الأساتذة القادرين على تحقيق هذا الإصلاح، وهل يمكن أن تأمل أن أساتذة الجامعة
يرضون أن يستأنفوا تربية أنفسهم من جديد؟
فقد يدلك ما سنذكره على أن من العسير جدٍّا أن نجد أساتذة يعلِّمون طلابنا كما يتعلم الطلاب في البلاد المجاورة.