تنتهي النظرية النفسية التي قدمناها إلى نتيجةٍ واضحة وهي أن ليس في الاعتماد على
الذاكرة خير، وإذا لم يكن الاعتماد على الذاكرة في التعليم فلا بد من الاعتماد على التجربة،
ذلك شيء معروف يردده العلماء منذ زمن بعيد، فقد قال مونتيني»: Montaiene ليس
الاستظهار علمًا «.وقال كانط» : Kant إذا لم يستعمل الطفل قاعدة من قواعد النمو
فسواء علينا أحفظها أم لم يحفظها، وإنما يعلم بالقاعدة من استطاع أن ينتفع بها وإن
عجز عن استظهارها «. وقال أيضًا» : إن أحسن طريقة للفهم إنما هو العمل «.
بينما تعليم الذاكرة يعتمد على الكلام أو على الكتاب، يعتمد تعليم التجربة على أن
توجد الصلة بين الطفل وبين الحقائق، ثم تُشرح له النظريات فيما بعد، أما الشعوب
اللاتينية فتصنع الطريقة الأولي، وأما الإنجليز السكسونيون - ولا سيما الأمريكيون -
فيصطنعون الطريقة الثانية.
فالشاب اللاتيني يتعلم لغة من اللغات بدرس كتاب النحو والإستعانة بالمعجم، وهو
يتعلم الطبيعة باستظهار كتاب من كتبها، وهو عاجز عن أن يتكلم هذه اللغة، عاجز
عن أن يصطنع أداة من أدوات المعنى، والشاب الأمريكي يتعلم لغة من اللغات دون أن
ينظر في كتابٍ من كتب النحو أو في معجمٍ وإنما يقرأ ويتكلم، وهو يتعلم الطبيعة في
المعمل لا في الكتاب، وبهذه الطريقة استطاع الإنجليز أن يكوِّنوا لأنفسهم طبقة راقية
جدٍّا من العلماء العاملين.
لست منفعيٍّا بوجهٍ من الوجوه، أو على أقل تقدير لست مع الذين يرون أن التعليم
يجب أن ينحصر فيما يفيد فائدة حاضرة، وإنما أرى أن التعليم يجب أن يُنتج تقوية
العقل والخلق والإرادة، وأن يربي ملكة الحكم الصحيح ويوجد الشخصية الظاهرة في
الحياة، ولست أكره تعليم اللاتينية واليونانية والهندية لنفسه بل لو أثبت لي إنسان أن
هذا التعليم يؤدي إلى هذه النتائج لكنت أول من يؤيده، ولكن التجربة أظهرت أن التعليم
المعتمد على الذاكرة لا يفيد، وأن التعليم التجريبي وحده هو الذي يكوِّن الإنسان ويمكِّنه
من الفوز في الحياة من الوجهة العملية ومن الوجهة النظرية أيضًا.
ولو أن إنسانًا أراد أن يظهر الفرق الأساسي بين هذين النوعين من التعليم، لاستطاع
أن يقول إن أحدهما يعتمد على الكتب والثاني لا يعتمد إلا على التجربة. ولقد يمكن
الحكم على هذين المنهاجين بنتائجها، فالشاب الإنجليزي أو الأمريكي لا يكاد يخرج من
المدرسة حتى يجد طريقه إلى العمل، بينما الشاب الفرنسي بعد أن يبلغ الشهادة الثانوية
أو الليسانس أو شهادة الهندسة عاجز عن كل شيء، فإما أن ترزقه الحكومة وإما أن
يضيع، ولقد يلجأ إلى الصناعة ولكن مكانه فيها ضئيل حتى يجد من الوقت ما يستأنف
فيه تعليمه ويتعلم بنفسه ما عجز الأساتذة عن تعليمه إياه، فإذا سلك طريق التأليف
فلن تكون كتبه ورسائله إلا طبعات معادة من كتب ورسائل معروفة منتشرة.
ولقد نعلم أن واحدًا في المئة من أساتذة الجامعات الآن يستطيع أن يؤمن بما نقول،
فأما الآخرون فيرونه سخفًا وحمقًا. ولن تستطيع أن تقنع رجال الجامعة بنفع التعليم
التجريبي؛ لأنهم آمنوا منذ زمنٍ طويل بأن درس الكتب وحده هو الذي ينفع وهو الذي
يفيد، وخير تلميذ مهما تكن المدرسة التي يتعلم فيها أو الفرع الذي يتخصص له إنما
هو من يحسن الاستظهار والإعادة. ولقد يضحك منك رجال الجامعة إذا ذكرت لهم
أن التعليم العملي مقو للعقل وملكة النظر؛ لأنهم مؤمنون بأن المنطق وحده هو الذي
ينمي هاتين القوتين. وكل ما تسمح به الجامعة إلى جانب تعليمها اللفظي إنما هي
تجارب قليلة في المعمل لا تغني ولا تفيد. وليس ينبغي أن نفترض أن العلوم التي تُسمى
تجريبية هي التي يجب أن تدرس وحدها درسًا تجريبيٍّا، وإنما هذا الدرس التجريبي
يستطيع ويجب أن يتناول كل شيء. وسنرى أن الجغرافيا والتاريخ واللغة يمكن ويجب
أن تدرس درسًا تجريبيٍّا، فلا ينبغي مثلًا أن يبدأ الطفل في درس الجغرافيا إلا بعد أن
يكون قد استطاع أن يفهم الجهة التي يتردد فيها وأن يرسم صورتها على ورقة ما؛ لأنه
لا يستطيع أن يفهم الصورة الهندسية للأرض إلا بعد أن يكون قد أتقن تصور الأرض