كانت قوانيننا العسكرية تسرف في إعفاء بعض الأفراد والجماعات من الخدمة العسكرية
فأنتج هذا الإعفاء نتائجه السيئة المختلفة، وأهم هذه النتائج انصراف الشباب عن الحياة
العاملة المثمرة إلى ضروب الحياة الفكرية العقيمة. ويكفي أن تنظر إلى هذه الأعداد
الضخمة التي استفادت بمبدأ الإعفاء من الخدمة العسكرية كلها أو بعضها، فتحولت
عن الجيش إلى المدارس المختلفة كمدرسة اللغات الشرقية ومدارس الزراعة والتجارة
والصناعة والمدارس النظرية الخالصة، لا لشيء إلا لأن هؤلاء الطلبة يفرون من الخدمة
العسكرية ويلجئون إلى هذه المدارس فيحصلون منها على شهادات لا تنفعهم ولا تفيدهم؛
لأنهم أكثر من حاجة البلد ولأنهم قد أساءوا التعليم وهم أضعف من أن ينتفعوا بما
تعلموا، ومع هذا فلو أنهم ذهبوا إلى الجيش وأدوا خدمتهم العسكرية لانتفعوا كثيرًا
ونفعوا كثيرًا وضمنوا لأنفسهم العمل في الحياة، ذلك أنهم في الجيش يجدون ما هم في
حاجةٍ إليه من النظام وحبه والخضوع له، ومن التضامن والتعاون ومن ضبط النفس
وأخذها باحتمال المكروه ومن حسن التصرف في الحياة والتغلب على المصاعب، ويكفي
أن تنظر إلى الأمم التي تحسن استخدام الجيش لتعرف ما للخدمة العسكرية الصالحة
من النتائج الحسنة.
شعر الناس منذ زمن طويل بنفع الخدمة العسكرية الإجبارية في الإصلاح العام وإزالة
ما تركت الهزيمة الأخيرة من الآثار السيئة، واعتقدوا أن هذه الخدمة العسكرية ستزيل
الاختلاف الحزبي وتكوِّن الوحدة القومية، وتوجِد في نفوس الشعب كل هذه الفضائل
القيمة التي تستظل بظل اللواء.
ولكن التجربة أظهرت أن ما كان الناس ينتظرون شيء، وما انتهت إليه الخدمة
العسكرية شيء آخر، فلم تؤت هذه الخدمة ثمراتها. ومصدر ذلك فيما أعتقد أن الضباط
الذين هم المكلفون تربية الجيش لا يفهمون واجبهم ولا يحسنون أداءه، فالضباط كل
شيء في الجيش فإذا صلحوا صلح الجيش، ويجب ليصلح الضباط أن يفهموا أنهم
مربون من جهة وأن يحسنوا الأمر من جهةٍ أخرى. أما فَهْم أنهم مربون فموقوف على
المدرسة الحربية، يجب أن يتعلموا فيها من مناهج التربية ما يمكنهم من أن يحسنوا