فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 105

ظهر مما تقدم أن درس اللاتينية واليونانية لا يفيد؛ لأن هاتين اللغتين يمكن الاستغناء

عنهما باللغات الحية؛ ولأن درسهما - حتى إذا كان نافعًا - بعيدٌ كل البعد عن الإجادة

والإتقان. وإذن فالوقت الذي يُنفق في هذا الدرس ضائع ويمكن الانتفاع به في درس

العلم واللغات الحديثة، ولكن هذا مستحيل التحقيق؛ لأن هناك حائلًا قويٍّا يحول بيننا

وبينه وهو رأي الأسُر؛ لأن هذه الأسُر تقوم عقبة في سبيل التجديد وتحرص الحرص كله

على هذا الدرس القديم، فإذا بحثت عن أسباب هذا الحرص وجدت أن الطبقة الوسطى

في فرنسا شديدة المحافظة، فهي لا تميل إلى الجديد، وهي لا تستطيع أن تتصور أن

يجهل أبناؤها اللاتينية التي درسها الآباء والأجداد. وللأسر ميلٌ شديد إلى هذه اللغة

مصدره الغرور أيضًا، فإن هذه الأسر ترى في درس اللاتينية شيئًا من الشرف يميزها

من الطبقات المنحطة، والأطفال أنفسهم يحرصون على اللاتينية غرورًا وحبٍّا في التفوق

على إخوانهم الذين لا يدرسون هذه اللغة. والأمر ليس موقوفًا على الأسر؛ لأن السلطة

العامة تشاركها فيه، فهي لا تبيح أصغر مناصبها إلا لمن أحرز الشهادة الثانوية وحصل

على حظٍّ من اللاتينية ... ذلك في فرنسا، أما في ألمانيا فإن الطبقة الوسطى أقل محافظة؛

لأنها تخرج من طبقات الشعب وعهدها بحياة الشعب قريب؛ ولذلك تميل هذه الطبقة

إلى العلوم وإلى الصناعة أكثر من ميلها إلى درس اللغات القديمة. ولقد لاحظ رئيس

لجنة التحقيق أن أشد الناس حرصًا على درس اللغات القديمة بعد الجامعة هم أعضاء

الغرف التجارية في المدن المختلفة، فقد أجمعوا على وجوب الاحتفاظ بهذا التعليم. وإذن

فقد يكون من الخير العدول عن هذا التعليم، ولكن ليس إلى هذا العدول من سبيلٍ حتى

تتغير آراء الأسر.

على أن من اليسير التوفيق بين المنفعة وبين آراء هذه الأسر، فلا حاجة إلى إلغاء

اللاتينية واليونانية ما دام هذا الإلغاء مستحيلًا، ولكن لا حاجة إلى إضاعة الوقت فيهما

ما دام هذا لا يفيد، وإذن فنستطيع أن نحتفظ بالمظاهر إرضاء للرأي العام؛ لأن الرأي

العام يرضى بالقليل، يرضى بالألفاظ ولا تعنيه الحقائق، فلنحتفظ له بالألفاظ ولنبق

تعليم اللاتينية واليونانية، ولكن ساعة في الأسبوع ليس غير، في هذه الساعة يلم الأستاذ

بالأصول اللاتينية واليونانية للغة الفرنسية وببعض النصوص اللاتينية التي جرت

العادة باستظهارها، ثم ننفق بقية الوقت في درس العلم واللغات الحية، وفي قراءة الآداب

اللاتينية واليونانية نفسها مترجمة إلى لغتنا، فهذه الطريقة أنفع من إضاعة الوقت في

درس النحو اللاتيني واليوناني، وترجمة قطع متفرقة من هاتين اللغتين، وحسبك أن

التلاميذ سيعرفون هذه الآداب بواسطة التراجم مع أنهم لا يعرفون منها شيئًا بواسطة

النصوص الأولى التي لا يفهمونها ولا يقرءونها، وكثيرٌ من رجال الجامعة يرون هذا

الرأي. وربما كان من الخير أيضًا أن يعمم درس اللاتينية واليونانية بهذه الطريقة

بحيث يتناول الطبقات جميعًا، فهو على فائدته التي قدمتها ينتج فائدة أخرى وهي

أن الطبقة الوسطى التي تحرص على اللاتينية كأنها امتياز، ستزهد فيها عندما ترى

الطبقات الدنيا تلم بها وتستظهر نصوصها كما يفعل الأغنياء، ولكني أشك في قبول هذه

الطريقة؛ فنحن لا نحب الإصلاح السهل التدريجي، وإنما نحب الإصلاح الضخم نصدر

فيه القوانين واثقين بأنه لا يفيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت