يكاد خريجو الجامعة يستأثرون بالتعليم العملي، وإذن فهم يصطنعون فيه مناهجهم
النظرية. يعتمدون في هذا التعليم على الكتب يستظهرها الطلبة فينتج هذا التعليم نتيجة
لا قيمة لها كنتيجة التعليم القديم. ولولا أن في فرنسا عددًا قليلًا من المدارس الفنية
أقامتها الجامعات الخاصة كالفرير والأفراد لكان من الحق أن نعترف بأن ليس لهذا
التعليم وجود في فرنسا.
على أن الجامعة ليست وحدها مصدر انحطاط هذا التعليم، وإنما السبب الأساسي
لذلك هو كلف الأسر بدرس اليونانية واللاتينية، واعتقادها أن هذا الدرس ينمي الذكاء
ويكفل للتلمذ حياة راقية. ونحن في عصر انتقال لم يشعر فيه الناس بعد بأن هذا الرأي
خاطئ من وجهين: فالتعليم القديم يفسد الذكاء ويحول بين التلميذ وبين الحياة الهينة
اللينة.
آمنت الأسر بقيمة التعليم القديم فكلفت به وأعانتها الجامعة على ذلك. ففي البلاد
اللاتينية لا يقاس أمهر الصناع وأقدرهم إلى أصغر المحامين والأساتذة؛ ولهذا تجتهد
الأسرة دائمًا في أن تخرج أبناءها من طبقة العاملين الذين تزدريهم لتدخلهم في طبقة
العلماء الذين تكبرهم، وهذا مصدر ما نحن فيه من الضعف الاقتصادي. ولقد نشرت
إحدى المجلات الكبرى كتابًا لبعض زعماء الصناعة في فرنسا الشمالية، أختصر منه ما
يأتي:
من المؤلم جدٍّا أن نرى قسمًا من أقسام فرنسا كانت فيه الصناعة قوية
مزدهرة، فأصبحت الطبقات الوسطى فيه تنصرف عن هذه الصناعة وتعنى
العناية كلها بالعمل في الدواوين، ذلك لسوء الحظ حال الشعوب التي لا ترى
في التعليم إلا وسيلة توصل إلى دواوين الحكومة ومناصبها، كل امرئ يطلب
عملًا في الحكومة، وفي أثناء ذلك يكاد البلجيكيون يستعمروننا فهم يسيطرون
على أكبر المصانع القائمة في ناحيتنا. ومن أدل الأمثلة على ذلك ما وقع في
» موبيج. «فقد ارتقت الصناعة في هذا البلد رقيٍّا عظيمًا منذ سنة 1892،
ولكن بفضل البلجيكيين الذين أقبلوا من» ليج «و» شارلروا «فأقاموا المصانع
على الحدود ووجدوا في بلادهم ما هم محتاجون إليه من رأس المال، وكان
مواطنونا يشهدون ذلك دون أن يتحركوا ويستثمرون أموالهم في المصارف أو
في شراء الأسهم الأجنبية. ذلك شيء مؤلم موئس، نحن قوم مرضى تعمل فينا
علة خفية سنشعر بها بعد فوات الوقت.
ونشرت المجلة نفسها كتابًا يبين ما أصاب مستعمراتنا من نتائج التعليم النظري
وإهمال التعليم العملي، جاء فيه:
إن الوطني من أبناء المستعمرات إذا قرأ وكتب وحسب احتقر من يحرث
الأرض أو يعمل في المصنع، واعتقد أنه من طبقةٍ راقية وعد نفسه أوروبيٍّا
وطالب لنفسه بمنزلة الأوروبي، فالتعليم في المستعمرات هو بعينه التعليم
في فرنسا إلحاح في قيمة الدرس النظري وازدراء للعمل، إخلاءٌ للمصانع
والحقول وإكثار لعدد الذين يتهالكون على المكاتب والدواوين، ولو أن الذين
يعنون بالتعليم في المستعمرات استبدلوا بتاريخ فرنسا منذ فرعون إلى نابليون
الثالث الترغيب في العمل على اختلاف ألوانه، سواء في ذلك الزراعة والصناعة
والتجارة، لتضاعفت ثروة المستعمرات، وتبع ذلك رقيٌّ في تجارتنا العامة.
يقولون إن مستعمراتنا لا تغل شيئًا، وينسون أن مصدر هذا إنما هو أننا نفسد
بالتعليم النظري ذكاء هذه المستعمرات وقوتها على العمل.
وهنا نمسُّ نقطة حساسة في حياتنا القومية، فإن الذين يسيطرون على الأمور في
فرنسا يجهلون أن العالم قد تطور، وأن المكان الأول فيه الآن إنما هو للحياة الاقتصادية،
وأن الحاجة ماسة إلى العمال الأذكياء لا إلى النحويين وعلماء اللغة وغيرهم من الثرثارين،
والجامعة تجهل هذا أيضًا ولا تعرف إلا ما ورثت من عاداتٍ وسنن، يتطور العالم وتنشأ