فإذا أعُد الطفل على هذا النحو سُهل عليه في المدارس الثانوية أن يتقدم لدرس هذه
العلوم بطريقة نافعة، فإن أثر هذه العلوم في التربية عظيم جدٍّا إذا عرف الأستاذ كيف
ينتفع بها، وإذا لم يصطنع في درسها إلا التجربة، وأدوات هذه التجربة في المدارس الأولى
ليست كثيرة ولا غالية وإنما هي قليلة سهلة، وليس فيها شيء من الخطر إذا أحسن
استعمالها، فطائفة الأنابيب والآنية وموقد من مواقد الكحول تنفع في تجارب الكيمياء،
وطائفة من الأدوات اليسيرة تنفع في تجارب الطبيعة، ولقد اشتريت مجموعة من الأدوات
التي يستخدمها الإنجليز لتجارب الطبيعة أمام الأطفال، فإذا هي مجموعة ينتفع بها
في جميع نظريات الضوء وإذا هي لا تتكلف أكثر من خمسة وثلاثين فرنكًا، بينما مثل
هذه المجموعة في فرنسا لا تنقص قيمته عن ألف فرنك؛ لأنا نؤثر الشرف دائمًا في كل ما
نصنع، وبمثل هذا الثمن تستطيع أن تشتري مجموعة الأدوات اللازمة لتجارب الكهرباء،
والقاعدة أن التلميذ يصنع بنفسه هذه الأدوات من المواد التي تُقدم إليه، ويُقدم إليه مع
هذه الأدوات رسالة صغيرة ترشده إلى طرق استعمالها، وتلقي عليه طائفة من المسائل
تكلفه حلها، وهي لا تنقص عن 500 مسألة وربما أعجزت الذين بلغوا شهادة الليسانس
من طلابنا. على أن شيئًا مما تقدم ليس جديدًا، فكل هذه الآراء كانت معروفة منذ زمن
طويل، ولم يزد الإنجليز والألمان على أن انتفعوا بهذه الآراء التي كانت شائعة فينا منذ
أكثر من نصف قرن، وانظر كيف يعرض هذه الآراء عالمنا المعروف» دوماس «وإن كنا
لم ننتفع بما عرض:
«يجب أن تستوحي الطبيعة لا أن تستوحي الكتب، فلم يخترع الإنسان علم
الطبيعة وإنما انتهز ملاحظات قدمتها إليه المصادفة فكررها وغير ظروفها واستخلص
نتائجها، فإذا خيلت إلى الطلبة أن الإنسان يستطيع أن يستغني عن الحقيقة الواقعة
التي هي مصدر العلم، وأن يضع العلم بالتفكير المنطقي وحده، فقد أعددت للبلاد
شبيبة مغرورة عقيمة، ولن نبلغ الكفاية من الإلحاح على الأستاذ إذا أراد أن يدرس
استكشافًا من الاستكشافات في أن يقدم بين يدي هذا الدرس خلاصة تاريخية يبيِّن
فيها أصل الاستكشاف، وربما كان من الحق عليه أن يعيد أمام التلاميذ الواقعة التي
دعت إلى هذا الاستكشاف، وهو إن فعل ذلك لم ينس تلاميذه أن الطبيعة علم تجريبي
يستعين بالتجربة، ولن يبلغ الأستاذ الكفاية من سوء الظن بشيء له الأثر السيئ في
التعليم وهو هذه الأدوات المعقدة، تصرف التلاميذَ بدقتها وتعقيدها عن موضوع البحث
فيعنون بالأداة أكثر مما يعنون بالتجربة نفسها. وغلاء هذه الأدوات يحول بين كثير
من الطلبة وبين التفكير في الاختصاص؛ لأنهم يفترضون أن ملك هذه الأدوات لن يتاح
إلا لأصحاب الثروة الضخمة. وأي شيء أيسر من هذه الطرق التي اصطنعها» فلتا «
و «دلتون» و «جي لوساك» و «بيو» و «مالوس» و «فرين» لتأسيس علم الطبيعة الحديث.
ولقد كان هذا الجيل من العلماء يصطنع في تأسيس هذا العلم أدوات مألوفة ليست
بالغالية ولا بالمعقدة، حتى ليصح أن نتساءل الآن ألم يصبح علم الطبيعة رهينًا بأهواء
أولئك الذين يصنعون أدوات المعامل.»
وليس بنا حاجة إلى تأييد ما قال هذا العالم فكل شيء يؤيده، وحسبك أن تنظر
في تاريخ العلماء المخترعين وفي اختراعاتهم ولا سيما العظيمة منها لتعلم أنها نتيجة
استخدام الأدوات السهلة. وليس معنى ذلك أن الأدوات الدقيقة ليست لازمة، وإنما معناه
أن هذه الأدوات ضرورية لمن يريد التحقيق والتثبت لا لمن يريد تفسير الظواهر المختلفة.
هناك نوع من أنواع العلم له أحسن الأثر في التربية وتكوين العقل وتنمية الملكة
العلمية لو عُنيت به الجامعة، ولكن الجامعة تزدريه ولعلها تجهله، هذا النوع هو تاريخ
الاستكشافات العلمية. فإذا كان للتجربة أثرها في إثقال فهم العلم، فإن لهذا التاريخ
أثره في إتقان الفهم أيضًا بل في إيجاد العقل العلمي عند التلميذ، أرأيتك إذا بينت للتلميذ
كيف وصل العلماء والمستكشفون إلى علومهم واستكشافاتهم وما سلكوا إليها من سبيل،
وما لقوا في سبيلها من مصاعب وما اتخذوا من حيلة لتذليل هذه المصاعب كيف تفتح