الفصل الثالث
مسألة اليونانية واللاتينية
معروفة هذه المناقشات التي لا حدَّ لها، والتي دارت منذ ثلاثين سنة حول اليونانية
واللاتينية ونفعهما، وقد دخلت هذه المناقشات الآن في طورها الشعوري الذي لا يدخل
فيه العقل، ومع ذلك فإن كثرة هذه المناقشات قد زعزعت سلطان اللغتين، فلم يبق لهما
من مدافعٍ عنهما إلا الآباء الذين يتأثرون بالصور والخيالات، وإلا بعض التجار الجهلة
والأساتذة الذين يعيشون منهما، على أن هؤلاء المدافعين أنفسهم يترددون الآن في الدفاع،
ويرون أن تعليم هاتين اللغتين في الجامعة قد أصبح قليل النفع؛ لأنه بلغ من السوء
أن أصبح التلاميذ يدرسون هاتين اللغتين سبعة أعوام أو ثمانية، فلا يكادون يخلصون
من الامتحان حتى ينسوا كل ما حفظوا، على أن أقوى الأدلة التي تستعمل لتأييد هاتين
اللغتين هو ما تحدثه الآداب اليونانية واللاتينية من أثرٍ حسن في التربية وتقويم الخلق،
إلى غير ذلك من هذه الآراء التي لا مصدر لها إلا قدم العهد بهاتين اللغتين، على أنه من
اليسير أن نتنبأ بأن هذا الأثر الحسن لا خير فيه منذ الآن، فإن رجالًا أكفاء قد أظهروا
في التحقيق البرلماني أن هذه المزايا موجودة في اللغات الحية التي تمتاز بشيءٍ آخر وهو
النفع العملي. 1
ولقد يدفع بعضهم عن اللاتينية بالحاجة إليها في درس الحقوق، ولكن هذا الدفع
لا فائدة فيه، فليس من قوانينا ما بينه وبين الفقه الروماني صلة إلا القانون المدني،
وأكثر طلاب الحقوق ليسوا من إتقان اللاتينية ولا من الرغبة فيها بحيث يريدون أو
يستطيعون قراءة الفقه الروماني، وليس ينبغي أن تذكر الحياة القديمة للترغيب في
درس الآداب القديمة، فليس في هذه الحياة ما ينبغي أن يحب، وحسبك أنها كانت حياة
قسوة واستبداد، فلم يعرف القدماء الحرية ولا الديمقراطية، وإنما كانت حكوماتهم
كلها على اختلاف أطوارها وعصورها حكومات أرستقراطية تتسلط فيها أسرٌ غنية على
شعوبٍ منحطة. وكانت هذه الحكومات تجهل الحرية الدينية والسياسية والشخصية،
بل كانت تنكر الشخص إنكارًا تامٍّا، وتفنيه الإفناء كله في الدولة، فليس له أن يحيا ولا
أن يعمل ولا أن يفكر إلا للدولة، وقليل جدٍّا خطر هذه الآداب القديمة التي يضيفونها إلى
القدماء ويزعمون أنها تشتمل على الأفكار العامة التي لا بد منها لتكوين العقل، فأكثر
هذه الآداب ليس شيئًا مذكورًا وكل ما اشتملت عليه موجودة في آداب القرن السابع
عشر، على أن نفع هذه الآداب رهين بالقدرة على درسها وتفهمها، وقد أثبتت النصوص
الرسمية أن التلاميذ لا يقرءون من الآداب اللاتينية شيئًا يذكر، أما الآداب اليونانية
فمجهولة جهلًا تامٍّا، وكل ما يدرس إنما هو طُرف من النحو، ولقد قامت ضجة حول
هاتين اللغتين في ألمانيا كالتي قامت في فرنسا، مع أن درس الألمانيين لهاتين اللغتين أنفع
وأشد إتقانًا من درسنا.
1 ثم ينقل المؤلف كلامًا كثيرًا في معنى ما تقدم من أن اللغتين القديمتين لا خير فيهما الآن؛ لسوء
تعليمهما وإمكان الاستغناء عنهما باللغات الحديثة من جهة، وبدرس العلوم المختلفة من جهةٍ أخرى.