أثر التعليم التجريبي في التربية عظيم، فيجب أن يتعجل المعلم في أخذ الطفل بهذا النوع
من التعليم منذ طفولته الأولى. وإذن فقبل أن نبحث عن طريقة هذا التعليم في المدارس
الثانوية يجب أن نبيِّن طريقته في المدارس الأولية. على أن العناية بالتعليم التجريبي
في هذه المدارس ليس حديث العهد، فالناس جميعًا يعلمون ما أفاد الألمان من تجارب
» فروبل «و» بستالوتزي. «أما الجامعات اللاتينية فقد ازدرت هذا التعليم دائمًا، وشاركها
الألمان في ذلك حينًا، ولكنهم عدلوا عن هذا الخطأ فانتفعت بذلك صناعاتهم انتفاعًا
عظيمًا. أما الإنجليز فلم يحتاجوا إلى تكلف الجهد في ذلك؛ لأنهم لم يفهموا التعليم في
يومٍ من الأيام إلا على النحو التجريبي، فليست لهم مدرسة تخلو من العمل اليدوي مهما
تختلف منزلة هذه المدرسة ومهما تتفاوت طبقات الأطفال الذين يختلفون إليها، حتى
إن المدارس التي لا يدخلها إلا الأغنياء الذين لا يحتاجون إلى أن يكسبوا حياتهم تعنى
بهذا التعليم عناية خاصة، فيختلف التلاميذ إلى المعامل كما يختلفون إلى قاعات الدروس،
وقد يكون أستاذ البيان معلمًا نجارًا أو كهربائيٍّا.
والناس جميعًا يعلمون أن المهندسين الإنجليز إنما يتربون في المعامل، ولقد ازدرينا
نحن هذا النوع من التعليم ازدراءً شديدًا حتى استطاع أحد المفتشين في وزارة المعارف
أن ينكر أمام لجنة التحقيق نفع دروس الأشياء؛ لأن التلاميذ في رأيه لا يفهمون وإنما
يحفظون، فهم يستظهرون ألفاظًا يخلطون بعضها ببعض خلطًا شديدًا. ولو أن هذا
المفتش فكر قليلًا لعرف أن خطأه شديد، فلسنا نريد أن يستظهر الأطفال ألفاظًا وإنما
نريد أن تكون الأشياء موضوع دروس الأشياء، نريد أن يدرس التلاميذ حقائق لا ألفاظًا،
وقد تختلط عليهم الألفاظ ولكن الحقائق لن تختلط عليهم أبدًا، فإذا رأى الطفل أو لمس
معدنين مختلفين فلن يخلط بينهما وإن خلط بين اسميهما.
ومن اليسير جدٍّا أن تُستخدم طرق كثيرة مختلفة لتعليم الأطفال بواسطة التجربة
ضروبًا من قوانين الطبيعة والكيمياء، وقد ألُفت في ذلك كتب مختلفة نافعة ولكن
الأساتذة يمرون بها معرضين عنها؛ لأنهم يعتقدون أن ليس فيها خير وأن الطفل سريع
الملل إذا أخذته بالدرس الصحيح. نظرية خاطئة من كل وجه فيكفي أن تعرف كيف
تأخذ الطفل بالدرس لترى كيف يرغب الطفل في الدرس، وكيف يمكن أن يتعلم بواسطة
التجربة ضروبًا من العلم، بل كيف يمكن أن تفسر له بواسطة التجربة قوانين الثقل
والجاذبية والصوت والضوء وطائفة من أعمال الكيمياء.