مع أن هذه الشهادة الثانوية أثر من آثار التعليم لا مؤثر في هذا التعليم، فقد اشتدت
عليها حملة الأساتذة جميعًا، كلهم يمقتها ويرى أنها مصدر الشر حتى استطاع مسيو
» لافيس «أن يصفها بالإجرام. وذلك معقول فإن أساتذة الجامعة يجدون أنفسهم أمام
تعليم سيئ من غير شك، ولكنهم لا يستطيعون أن ينصفوا فيلقوا تبعة هذا التعليم
السيئ على أنفسهم. وإذن فهم يلقون هذه التبعة على هذه الشهادة التعسة، ولهم في
ذلك فنون ... فمنهم من ينكر الشهادة؛ لأن الطلبة لا يحسنون الاستعداد لها، ومنهم من
ينكرها؛ لأن الطلبة يغشون، حتى استطاع مسيو» بوانكاريه «أن يصف الامتحان بأنه
مفسد للأخلاق، والحق أن مصدر الشر كله إنما هو كثرة المواد وسوء تعليمها، فالأساتذة
لا يعنون إلا بشيءٍ واحد، وهو أن يكوِّنوا من التلاميذ دوائر معارف وهم يزيدون في
كل يوم مقدار ما ينبغي أن يحفظه الطلبة. فليس عجيبًا أن يعجز الطلبة عن أن
يسيغوا هذه المقادير الضخمة التي يكلَّفون ازدرادها، فكل طالب ينبغي أن يعرف كل
شيء ... اللاتينية واليونانية والفرنسية ولغة أجنبية حية، والتاريخ والجغرافيا والرياضة
والطبيعة والكيمياء والفلك والتاريخ الطبيعي، وأشياء أخرى لا تحصى، وينسى الأساتذة
أن كل واحد منهم إذا تجاوز اختصاصه العلمي ليس أقل جهلًا من تلميذه، بل ربما
كان أشد منه جهلًا.
على أن التلاميذ يحسنون التخلص من هذا، فهم لا يستعدون للامتحان وإنما
يستعدون للتخلص من الممتحن، فهم يدرسون المسائل التي تعود أن يلقيها فلان وفلان
على التلاميذ، وقد بلغ من شأنهم في ذلك أن أحد الأساتذة تعود أن يقسم نبوغ» كرنيل «
إلى خمسة عصور، فعرف الطلبة عنه ذلك وأخذوا أنفسهم بهذا التقسيم، فكان يكفي أن
يذكروه ليفوزوا، واتفق أن غاب هذا الأستاذ يومًا وخلفه غيره، فألقى على أحد التلاميذ
هذه المسألة: ماذا تعرف من» كرنيل «؟ وأخذ التلميذ يقسم نبوغ كرنيل إلى عصورٍ
خمسة، فابتدره الأستاذ قائلًا: إنك مخطئٌ فلست أنا فلانًا.
والتلاميذ يستعينون بالغش والتوصية والتملق وما إلى ذلك حتى أصبحت هذه
الشهادة أشبه شيءٍ بورق النصيب. 1
ومع ذلك فالناس يحرصون عليها الحرص كله، حتى إن رئيس لجنة التحقيق أثبت
في تقريره أن الطبقة الوسطى تجل هذه الشهادة وتعتبرها درجة من درجات الشرف،
والحكومة تؤيدها في ذلك فتغلق أبواب المناصب على الذين لا يحصلون على هذه الشهادة.
وإذن فالأمة منقسمة إلى قسمين: الحائزون لهذه الشهادة من جهة، والذين يعملون في
التجارة والزراعة والصناعة فيعيشون من عملهم ويحيون البلد من هذا العمل أيضًا.
1 وينقل المؤلف نصوصًا لإثبات ما تقدم.