فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 105

الفصل الثالث

تعليم الأخلاق

هناك مسألة من بعد الأثر في التربية بحيث لا نستطيع أن نهملها حين نبحث عن التربية

أصولها ومناهجها، بل بحيث نضطر إلى أن نعقد لها فصلًا خاصٍّا وهي مسألة تعليم

الأخلاق. ذلك أن المنزلة الخلقية هي مقياس ما تصل إليه الشعوب من الحضارة والقوة.

وليس من شكٍ في أن الأخلاق تتغير بتغير الأزمنة والشعوب، ولكن ليس من شك أيضًا

في أن الأخلاق ثابتة بالقياس إلى شعبٍ بعينه في زمنٍ بعينه. وإذا كانت الأخلاق مقياس

الحضارة والقوة فليسمن نزاعٍ في أنها إذا تزعزعت أو انهار بناؤها فقد فسدت الحضارة

وانحلت القوة وتعرض وجود الشعب للخطر.

يجب أن تكون التربية الخلقية ككل نوعٍ من أنواع التربية معتمدةً على التجربة

وحدها، لا على المواعظ والحِكم التي امتلأت بها الكتب والتي يستظهرها الأطفال في غير

جدوى. وليس في التعليم الخلقي خيرٌ إذا لم يستطع الأستاذ أن ينبه تلميذه إلى الخير

والشر بواسطة التجربة؛ ذلك أن التجربة هي التي تُعلم الرجال وهي التي تعلم الأطفال

أيضًا. والذين يريدون أن تقوم الحِكم والمواعظ مقام التجربة يجهلون نفسية الأطفال

جهلًا تامٍّا. فيجب إذن أن يُعتمد على التجربة وحدها، وأن يكون هذا الإنكار العام الذي

يتبع عملًا من الأعمال مرشدًا للطفل إلى أن هذا العمل شرٌ، وهذا الإقرار العام الذي يتبع

عملًا من الأعمال مرشدًا له إلى أن هذا العمل خير.

يجب أن تعلِّمه النتائج الحسنة أو السيئة ما للأعمال من نفعٍ أوضر، ولا سيما إذا

أخذ دائمًا باحتمال نتائج الأعمال التي يأتيها وإصلاح ما يجر على غيره من ضرر. يجب

أن تعلِّمه التجربة أن العمل والاقتصاد والوفاء وحب الدرس كلها خلال نافعة قيمة؛

لأنها تصلح من أمره وترضي ضميره. ثم لن يصل المعلم إلى إقناع الطفل بهذه الحقائق

كلها إلا إذا اعتمد على التجربة أولًا، ثم صاغ نتائج هذه التجربة في صيغٍ مجملة سهلة.

ولن تتم التربية الخلقية إلا إذا أصبح عمل الخير واجتناب الشر عادة لاشعورية

يأتيها الطفل دون أن يشعر بشيء. فمن الخير أن تقاوم الميل إلى منكر، ولكن خيرًا من

ذلك ألا تشعر بهذا الميل. يجب أن يكون ضبط النفس أساس التربية الخلقية؛ فإن لهذه

الملَكة الأثر العظيم في الحياة الصالحة؛ ولهذا عُني بها الإنجليز عناية خاصة فوفِّقوا إلى

الشيء الكثير. فهم يأخذون الطفل بألا يعتمد إلا على نفسه في كل شيء، بينما نعوده نحن

ألا يعتمد على نفسه في شيء. ويكفي أن تضع الطفل الإنجليزي والطفل الفرنسي أمام

أمرٍ ذي بال، فسترى من الإنجليزي عزمًا ومضيٍّا، وسترى من الفرنسي ترددًا واضطرابًا،

وسينبئك هذا بالفرق بين التربيتين.

ومن أعظم المؤثرات في التربية شيء تعودنا ألا نقدره كما ينبغي وهو البيئة. ذلك أن

الطفل مفطور على التقليد، يأتيه دون أن يشعر به، وهو يقلد بطبيعة الحال من يحيط

به مَن أهله وذويه، وهذا التقليد اللاشعوري هو الذي يكوِّن في نفس الطفل مع سهولة

ويسر غرائزَ وعادات لم تكن التربية لتصل إلى تكوينها إلا بعد عسرٍ وجهد. فإذا حسنت

البيئة حسنت آثارها في تكوين الطفل، وإذا ساءت البيئة ساءت نتائجها في هذا التكوين،

وصادقٌ جدٍّا هذا المثل الفرنسي القائل»: نبئني مَن عشيرتك أنبئك من أنت «،ولكن

البيئة الفرنسية سيئة الأثر في التربية؛ لأن الأسرة الفرنسية شديدة الضعف في الإشراف

على أبنائها تحبهم وتعطف عليهم، ويمنعها ذلك الحب وهذا العطف من أن تسيطر

عليهم كما ينبغي، فهي لا تقاوم رذائلهم ولا تشجعهم على الخير، وهي تشعر بهذا

الضعف وتحس هذا النقص وتعترف بهما وتحاول أن تتقي شرهما، فتسرع بإرسال

الأطفال إلى المدرسة معتمدة على أن سلطان الأساتذة سيمضي ما عجز سلطان الأسرة

عن إمضائه، ولكن المدرسة بيئة شديدة السوء قبيحة الأثر، يخضع الأطفال للمراقبين،

ولكنهم يكرهون المراقبين ويكرههم المراقبون. فليس من سبيلٍ إلى التقليد وإنما السبيل

إلى الغش والحيل وإلى المكر والمواربة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت