الفصل السابع
تعليم العلوم الطبيعية وعلوم المواليد الثلاثة
العلوم التي قدمنا البحث عنها ولا سيما اللغات خليقة أن تدرس منذ الطفولة؛ لأنها
شديدة الحاجة إلى الذاكرة قليلة الأثر في تربية الملاحظة، قليلة الأثر في تربية الملكات
بوجهٍ عام. أما علوم الطبيعة والمواليد فلها الأثر القوي في الملاحظة والحكم معًا.
ليس هناك طريقة أنجح إلى تكوين العقل وتنمية الملاحظة والحكم من درس علوم
المواليد الثلاثة؛ لأن هذا الدرس يظهر للطفل وللشاب وللرجل أن في الشيء الضئيل الذي
نزدريه، في العشب في الحشرة في الحجر، عالمًا ملؤه العجب. فهو إذن ينمي ملاحظته
وينمي حكمه ويحسن رأيه فيما حوله. ولكن الجامعة استطاعت أن تجعل هذا الدرس
اللذيذ المنتج ثقيلًا عقيمًا، فهي لا تحفل بالأشياء وإنما تضع مكان الأشياء وصف
الأشياء. فالتلميذ لا يعرف شيئًا مما حوله وإنما يحفظ كتبًا ويستظهر دروسًا يتلوها
وقت الامتحان عن ظهر غيب، وانظر كيف يحكم عالم فيلسوف أستاذ في السربون هو
المسيو» وستر «على المنهج الذي يُتخذ في هذا الدرس، فهو يرى أن هذه العلوم لا ينبغي
أن تدرس بين جدران أربعة ولا أمام لوحة سوداء ولا بواسطة قطعة من الطباشير،
وإنما ينبغي أن تدرس في الحدائق والغابات ومتاحف التاريخ الطبيعي، وما يشبه ذلك
مما يجد فيه التلميذ موضوع الدرس لا وصف هذا الموضوع. ولكنك لن تجد بين أساتذة
الجامعة من يحسن الاستفادة لمثل هذه النصيحة الرشيدة، فخير للمدارس الثانوية أن
تعدل عن درس هذه العلوم فإن درسها على هذا المنهج المألوف لا خير فيه، وحسبك أن
الطالب لا يقضي أشهرًا بعد الامتحان حتى يكون قد نسي ما حفظ.