يظهر مما تقدم أنه لا بد من أن توجد قواعد للتربية تُستمد من الأصول التي شرحناها،
ولكن هذه القواعد لا يمكن استنباطها إلا إذا دُرس علم النفس بالقياس إلى الأطفال
والحيوان درسًا مفصلًا، وعرفنا بكل دقة كيف نخلق عند الطفل وعند الحيوان العادة
والغريزة، ولكن هذا الموضوع لم يُدرس بعد كما ينبغي، ونستطيع أن نقول إنه لم يكد
يُمس. فيجب أن نكتفي الآن بالتجارب الشخصية وأن نسترشد بها في التربية، حتى إذا
دُرست نفسية الطفل والحيوان درسًا كافيًا، وأمكن وضع كتاب في التربية يكون له خطر
عظيم، هنالك تستطيع التربية أن تقوم على أساسٍ صحيح، ويجب أن نعترف - ما
دام هذا الكتاب لم يؤلف - بصعوبة ما يُطلب إلى المربي؛ فإن المربي المجيد نادر ندرة
الرائض المجيد. ورجال الجامعة أنفسهم يشعرون بضعف مناهجهم في التربية وعسر
الوصول إلى مناهج صالحة. وقد كتب مسيو كومبري مصيبًا أن ليس من Compayre
سبيلٍ إلى إيجاد تربية صالحة إلا إذا دُرس علم النفس درسًا صحيحًا.
ولقد كتب المسيو» لبون بورجوا «كتابًا نشره سنة 1890 حين كان وزيرًا للمعارف
ونصح فيه للأستاذ أن يعتمد على نفسية الطفل في التربية وعلى نفسية الشاب في التعليم،
ولاحظ أن الأولى لم تُدرس إلا درسًا متقطعًا وأن الثانية لم تدرس قط، وكانت نصائحه
نافعة مفيدة، ولكن أحدًا لم يلتفت إليها ... ومن الغريب أن هذا العلم على نفعه وجلال
خطره لم يبعث الشوق إلى درسه في نفسٍ من نفوس الأساتذة، مع أن الأساتذة وحدهم
هم القادرون عل درس نفسية الشبان الذين يحيطون بهم. وقد استطاع العلماء في
معاملهم بعد أن شرَّحوا طائفةً لا تحصى من الضفاضع والأرانب أن يصلوا إلى نتائج
قيمة، كسرعة التأثر العصبي وكالصلة بين التأثير الخارجي وبين الحس، وكأشياء كثيرة
تتعلق بالمجموع العصبي، ولكنهم لم يصلوا بعد إلى أشياء واضحة معينة في علم النفس
العملي.
وإذا لم نوفق إلى هذا الكتاب الذي أشرنا إليه في التربية فيمكن أن نستغني عنه
مؤقتًا بتحقيقٍ لا يتناول البرامج والقواعد العامة كما ألِفنا، وإنما يتناول مناهج التعليم
والتربية في البلاد الأجنبية المختلفة. هذا التحقيق نافع جدٍّا؛ لأنه يدلنا على النتائج المختلفة
التي انتهت إليها مناهج التربية والتعليم على اختلافها واختلاف بيئاتها. وإليك مختصرًا
لبعض الملاحظات التي كتبت عن منهج التربية والتعليم لمدرسة كبرى ألمانية في مدينة
25 سبتمبر سنة 1901 بقلم مسيو» ماسون فورستي: «
قاعدتهم في التربية إنقاص الساعات التي يعمل فيها الطالب بنفسه إلى أقصى
ما يمكن، فهي لا تكاد تتجاوز الساعتين، وهناك ست ساعات أخرى خُصصت
للدرس يتعلم فيها الطالب بأذنيه كما يتعلم بعينيه، ولا يكاد يتجاوز الدرس
ثلاثة أرباع الساعة، والطلبة يستريحون كثيرًا ويأكلون كثيرًا أيضًا، ويتبع
الطالب في كل قسم الدروس التي تلائم قوته، بحيث إن طالب القسم إذا كان
ضعيفًا مثلًا في مادة من مواد هذا القسم فهو مضطر إلى أن يدرس هذه
المادة في القسم الذي دونه، ولا يتجاوز عدد التلاميذ لأستاذ واحد اثني عشر
أو ثلاثة عشر، وإذا عجز الطفل عن أن يفهم شيئًا في الدرس فله بعد الدرس
أن يخلو إلى الأستاذ ليفهم ما شق عليه، والعقاب المألوف إنما هو الصمت،
فيكلف الطالب أن يسكت أثناء أوقات الراحة في اليوم كله، ويقولون إن هذه
العقوبة مؤلمة جدٍّا، ومع ذلك فهذه العقوبة مألوفة لأنهم يرون فيها نفعًا
كثيرًا، فإن الطالب الذي يخضع لها كثيرًا يتعود الصمت فلا ينطق إلا قليلًا،
ومن هنا فأكثر التلاميذ خضوعًا لهذه العقوبة يأمنون شر اللغط والثرثرة
والفخر الكاذب، يضبطون أنفسهم فيَزِنون ألفاظهم ويحسنون الاستماع ولا
يؤذون الناس بألسنةٍ حداد، وبهذا يأمنون عداوة الناس في الحياة، ولقد رافقت
فرنسيٍّا من طلاب هذه المدرسة في رياضة فألححت عليه في المسألة وسألته