كيف يستطيع أن يحتمل هذا النظام الشديد، أليس يتمنى لو عاد إلى أسرته؟
فأجابني هذا الطالب وهو من مدينة» بوردو «وكازكيا: إني قليل الشعور
بالألم في هذه المدرسة حتى إني آثرت المدرسة على أسرتي؛ لأشترك في السياحة
السنوية التي يسيحها طلاب المدرسة في الخارج، وحذا حذوي عشرون من
رفاقي ونحن عائدون الآن من التيرول. Tayrol
ليس لدينا الآن مناهج صالحة مفصلة يمكن اصطناعها في فروع التربية والتعليم
على اختلافها، ولكن لدينا الأصول العامة التي تستنبط منها هذه المناهج. فنحن نعلم أن
غاية التربية تحويل الشعوري إلى لاشعوري، وليس علينا إلا أن نطبق هذه النظرية كلما
عرضنا لفرعٍ من فروع التربية والتعليم، وسنعرض لذلك غير مرة في الفصول المقبلة،
ولا سيما التي تمس التربية منها.
ولكن الشعوب اللاتينية ستظل زمنًا طويلًا دون أن تقدر هذه الأصول حق
قدرها؛ لأن القاعدة عند هذه الشعوب أن يقدر كل شيء بالامتحان والشهادات، والذاكرة
وحدها هي التي يمكن أن تقدر بالامتحانات والشهادات، فأما الأخلاق وقوة الإرادة
والعمل الشخصي فليس للامتحان عليها سبيل. ولقد عرف الإنجليز أخيرًا قيمة الامتحان
والمسابقات حين اشتدت الحملة الصحفية في الهند على احتكار الأوروبيين لمناصب الحكم،
فاضطر الإنجليز إلى أن يجعلوا هذه المناصب موضوع المسابقة وأبيح للمواطنين أن
يسابقوا فسبقوا؛ لأن لهم ذاكرة ليست للأوروبيين، ولكنهم لم يكادوا يعملون حتى
ظهر نقصهم وفضل الأوروبيين وحتى كاد حكمهم ينتهي بالبلاد إلى الفوضى، واضطر
الإنجليز إلى أن يسلكوا سبلًا مختلفة من الحيل لاتقاء هذا الشر. وعرف الألمانيون ذلك
أيضًا فلم يحفلوا بالامتحانات لتكوين أكبر منصب علمي وهو منصب الأستاذ في الجامعة،
فأستاذ الجامعة في ألمانيا لا يصل إلى منصبه بالامتحان وإنما يصل إليه بفضل عمله
الشخصي. ومن هنا كانت الجماعة الأساتذة في ألمانيا أرقى جماعة للتعليم في العالم كله،
أما عندنا فالامتحان كل شيء ولقد يمضي أحدنا أربعين سنة من عمره يستظهر ويحفظ
ليؤدي الامتحان ثم ينسى ما استظهر، فإذا وصل إلى منصب الأستاذ لم يكن شيئًا ولم
يفد قليلًا ولا كثيرًا؛ لأنه قد وصل إلى هذا المنصب بعد أن أفنى قواه العقلية فيما لا خير
فيه.