فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 105

نفهم بعد هذا التردد أن تعدل الجامعة عن كل نظرية أو رأي في التربية إلا إذا تكلم

أساتذتها أو خطبوا، وكل ما تعرفه الجامعة من التربية إنما هو الاحتفاظ بالنظام في

المدارس الثانوية، ولسنا نكره النظام ولا نعيبه فهو قوام الحياة، ومن أراد أن يأمر

فيُطاع وجب عليه أولًا أن يُطيع إذا أمُر، ولكن النظام الدقيق الضيق المتردد الذي يُصطنع

في مدارسنا الثانوية هو شر النظم؛ لأنه لا يفيد ولا يصلح وإنما يفسد ويسيء.

ولقد اشترك رئيس لجنة التحقيق في جهل نفسية الأطفال فألقى هذا السؤال:

» أليس من الممكن إذا اتجهنا إلى عقل الطفل واعتمدنا عليه أن نُحمِل الطفل على الطاعة

فأجابه مجيبٌ بأن ذلك غير صحيح وأن الذي عاشر الأطفال «؟ وحسن الخضوع للنظام

وخالطهم مضطر إلى الاقتناع بأن ليس للعقل أثر عظيم في حياة الأطفال.

ولقد يخطئ الذين يعتقدون أن المربين من الإنجليز يعتمدون على العقل في أخذ

الأطفال بالنظام، فالإنجليز لا يعتمدون على العقل وإنما يعتمدون على المنفعة التي هي

الأساس المتين للحياة والتربية.

التلميذ الإنجليزي حر يؤدي واجبه متى شاء ويتنقل في المدرسة كما يحب، ولكنه

خاضع للمراقبة، فهو إذا أساء تأدية الواجب اضطر إلى أن يعيد تأديته، وهو إذا أساء

التصرف في حريته فقد هذه الحرية، وهو إذا لم يشتغل أو لم يُمكن غيره من أن يشتغل

طُرد من المدرسة أو من المكتب، فتضطره منفعته الخاصة إلى أن يتفهم النظام ويذعن

له.

على أني أسرع إلى القول بأن نظام التربية الإنجليزية الذي يلح ناسٌ كثيرون علينا

في اصطناعه لا يلائمنا ولا يفيد في بلادنا؛ لشدة الفرق بين الجنسين، وقد أشار إلى ذلك

مدير إنجليزي لإحدى المدارس في فرنسا في حديث له مع أحد الصحفيين، فرأى أن الفرق

بين الغلام الفرنسي والغلام الإنجليزي كالفرق بين اللبن وحامض الكبريت؟ فبينما نرى

الغلام الإنجليزي عاقلًا هادئًا رزينًا مطيعًا، فاهمًا للنظام خاضعًا له، سامعًا لما يُقدم إليه

من نصيحة بحيث لا يحتاج إلى عنفٍ ولا إلى شدة، نرى الغلام الفرنسي في عصيانٍ متصل

ورغبة لا حدَّ لها في الاستقلال، وماذا تريد يا سيدي العزيز؟ لكل شعبٍ فضائله ورذائله،

فالشباب الفرنسي كريمٌ خيِّرٌ ولكنه مضطرب مهتاج، وهل تأذن لي في أن أضيف أن هذا

الشاب فاجر بعض الفجور؛ ذلك لأن حواسه تتنبه بسرعة مدهشة، بينما حواس الغلام

الإنجليزي خامدة هامدة بحكم الرياضة البدنية العنيفة على اختلافها، وإذن فالمناهج

التي تلائم أحد الجنسين خطرة جدٍّا بالقياس إلى الجنس الآخر.

كل هذا حق، ومع ذلك فقد نستطيع أن نتبين ما ينبغي أن نتخذ من النظام لنصلح

الحياة في مدارسنا الثانوية.

أسوأ شيء في مدارسنا هو هذه المراقبة المتصلة التي تضايق الطفل وتثقل عليه.

فاترك له شيئًا من الحرية واجتهد في أن يعلم أن هذه الحرية ستُسلب إذا أساء استعمالها،

لا تراقبه ولا تحاصره حتى إذا خالف النظام فأنبئه بأن هناك رقيبًا. دعه يخرج وحده

إذا بلغ سنٍّا معينة، فإذا أساء استعمال هذه الحرية فاستردها منه. هذا شيء نافع، وقد

أخذ عدد قليل من الأساتذة يشعر بنفعه.

إذا أردت أن يحسن الشاب الاعتماد على نفسه في الحياة وجب عليك أن تترك له شيئًا

من الحرية، ولقد كانت العادة في فرنسا أن تُغلق أبواب العربات على المسافرين مخافة

أن يخرجوا منها أثناء سير القطار، وأن يُحبس الناس في غرف الانتظار في المحطات

مخافة أن يسقطوا تحت عجلات القطار، أما الآن فالناس لا يُحبسون في غرف الانتظار

والعربات لا تُغلق على المسافرين، وليس ذلك سببًا في ازدياد أخطار السكك الحديدية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت