الفصل الرابع
تعليم التاريخ والآداب
أساتذة الجامعة أنفسهم هم الذين أثقلوا برنامج التاريخ، وهم الذين أحسوا فساد هذا
البرنامج، وهم أشد الناس عداءً له أمام لجنة التحقيق. ويكفي أن ننظر فيما قالوا لنعلم
مقدار شعورهم بالخطأ الذي تورطوا فيه حين حمَّلوا برنامج التاريخ ما لا تحتمل عقول
الأطفال، فقد يرى أحدهم وهو المسيو» جريار «أن التاريخ إما أن يكون فنٍّا من فنون
الذاكرة وإما أن يكون ضربًا من ضروب الفلسفة. فهو إذا كان فنٍّا من فنون الذاكرة
كما هي الحال في الجامعة لم ينفع ولم يفد وربما ضر وأساء، وهو لن يكون ضربًا من
ضروب الفلسفة إلا مع تقدم السن ونمو العقل والقدرة على التفكير. وقد اختصر مسيو
» جريار «وصف تعليم التاريخ بأنه تعب ضائع، واختصره المسيو» لافيس «بأنه درس
لما لا يفهم. وربما كان الوجه في تعليم التاريخ أن يعدل عن الطريقة المألوفة التي تكلف
التلاميذ استظهار الأسماء والأنساب والحوادث والسنين في غير فائدة ولا جدوى وبدون
فهم ولا تعقل، إلى طريقةٍ أخرى يُكتفى فيها بإظهار التلاميذ على صور مجلة واضحة
لتاريخ الشعوب القديمة والحديثة وبتاريخ حضارتهم بنوعٍ خاص.
وربما كان الوجه أيضًا أن يسلك في هذا النحو من التعليم السبيل العملي فتُعرض
على التلاميذ صور فوتوغرافية لآثار الحضارة ويطوف بهم الأساتذة في المتاحف، فهم
إذا رأوا آثار الحضارة استطاعوا أن يفهموها ويفكروا فيها بنوعٍ ما، بينما الاستظهار
والحفظ عن ظهر قلب لا يفيدان إلا التعب والكد.
أضف إلى ذلك أن درس التاريخ كما هو الآن لا يخلو من مضرةٍ أخرى، وهي أن
حوادث التاريخ الكبرى إنما تمثل انتصار الرذيلة وفوز الغش والمكر والخديعة والظلم،
وليس من شأن هذه الأشياء أن تكوِّن العقول وتهذِّب الأخلاق. ومضرة أخرى ليست أقل
خطرًا وهي أن المؤرخين لا يتفقون في قدر الحوادث ولا في فهمها وتأويلها مهما يكن
نصيبهم من الذكاء والتعمق، والطفل عاجزٌ عن أن يقارن بين آرائهم المختلفة ويحكم
فيها. فدرس التاريخ في الكتب إذن بعيد كل البعد عن أن يستقيم منه للتلميذ رأي
صحيح.