الكتاب الثاني
التعليم والتربية في الولايات المتحدة
الفصل الأول
المبادئ العامة للتربية في أمريكا
إنما تتكون معلوماتنا بطريق المقارنة، ولأجل أن ندرك انحطاط تعليم الجامعة عندنا
يجب أن نقارن بينه وبين التربية في أشد بلاد العالم عناية بها وتنمية لها وهي أمريكا.
كثيرة جدٍّا المطبوعات التي تتناول التربية في الولايات المتحدة، ولكن هذه المطبوعات
قد كتبها رجال الجامعة ونظروا إليها نظرًا خاصٍّا فهي لا تفيد إلا قليلًا، ومن هنا كان
هذا الكتاب الفخم» مناهج التربية في أمريكا «الذي وضعه المستر بايز ناظر مدرسة
شارلروا استكشافًا حقيقيٍّا، ولقد قيل بحق إن شعوبًا تصطنع في تربيتها هذه المناهج
خليقة أن تُكوِّن إنسانية أرقى من إنسانيتنا، ويشعر بهذا الشعور كل الذين يقرءون
في كتاب المستر بايز، وهو يكاد يكون الشعور الذي يجده أحد كبار علمائنا المسيو لاي
شاتيليه، تجد ذلك في هذا المختصرالذي نقتطفه من إحدى مقالاته:
أول أثر تحدثه في نفسك قراءة هذا الكتاب شعور بشيءٍ من الغبطة، بحضارة
أرقى من حضارتنا بغير شك، ثم بثقةٍ عامة مطلقة بحسن أثر التربية، ثم
بحريةٍ كاملة تسمح للمدارس على اختلافها بأن تنمو وتعظم دون أن تمانع
إحداها الأخرى، وتبيح أشد التجارب دقة وجرأة، ثم احترام دقيق للمدرسة
بجعلها بمأمنٍ من آثار الجهاد السياسي الذي هو شديد العنف في أمريكا،
ثم بفلسفةٍ عميقة في مناهج التربية تذهب بها مذهب تنمية القوة الشخصية
العاملة، كل ذلك يشهد برقي عقلي ممتاز، وإن نفعنا لعظيمٌ جدٍّا إذا استطعنا
أن نصطنع مناهج التربية الأمريكية، ولكن يجب ألا نطمع في ذلك كثيرًا، فإن
لذة العمل والكلف بالحرية شهوتان شابتان أشد شبابًا من هذه القارة التي
شاخت ومضت عليها الحقب، هذه القارة التي نعيش فيها.
وهذه الصحف التي ستلقاك والتي خصصت للتربية الأمريكية مختصرة كلها من
كتاب المستر بايز، 1 فإذا أراد القارئ أن يدرس هذا الكتاب بعنايةٍ فسيرى مسرعًا أن
هذه التربية ليس من شأنها أن تنمي الأخلاق والذكاء فحسب، بل هي تسعى إلى إزالة
الفروق بين الطبقات الاجتماعية هذه الفروق التي تجعل حل المشاكل الاجتماعية عسيرًا
عند الأمم اللاتينية.
» يلقي الأساتذة بمهارة أمام التلاميذ طائفة من المصاعب تختلف قوة وضعفًا،
ويكلفون هؤلاء التلاميذ أن يقدِّروا هذه المصاعب ويذللوها واحدة فواحدة، وفي هذا
العمل يسبق الجهدَ الجسميَّ الجهدُ الفكريُّ أو يرافقه، وأشد فروع العلم تجردًا تقدم
إلى التلاميذ عندنا في صورةٍ مادية مركبة وتستلزم مهارة اليد إلى مهارة الفكر في فهمها،
فالجغرافيا عمل يدوي والأدب المدرسي شغل في المعمل؛ لأنه شديد الاتصال بالرسم
والتصوير، وأرقى صور العمل اليدوي التي تصطنع في جميع المدارس إنما هي في
حقيقة الأمر تمرين على المقاومة المعنوية، وكل التعليم يصل بين جهد العضلات وبين
فهم الآراء المجردة.
1 تفضل المؤلف فطلب إليَّ أن أكتب مقدمة الطبعة الثالثة التي ظهرت أخيرًا لكتابه (المؤلف) .