فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 105

والتعليم الثانوي الذي هو طريق الانتقال من تبعية الطفل إلى اقتناع الشاب

واستقلاله الفكري، خاضع لهذه القاعدة نازع دائمًا إلى تقوية التربية العملية، والمصاعب

التي تعرض فيه أشد تعقيدًا كما أن الغايات التي يرمي إليها أشد بعدًا، فهو يرمي إلى

تحرير الفكر والشعور من كل وصاية، وذلك بتقليل حظ الأستاذ من العمل ليحل محله

الشاب أو الفتاة في احتمال تبعة التفكير المستقل، والمدرسة إنما تأخذ نفسها بأن تعلم

الأطفال أن يعملوا كأنهم وحدهم في الحياة، وأن يشعروا بلذة العمل والجهد، وبالفرح في

مقاومة المصاعب وبأن كلٍّا منهم يملك نفسه ويراقب نفسه، والمدرسة لا تعلم الجزئيات

ولا النظريات بطريق الإلقاء والتلقين، فإن الأمريكيين أساتذتهم وتلاميذهم يأنفون من

النظريات المعدة، ومن التعريفات والتجريدات التي لا يوصل إليها العمل والتمرين.

ويلاحظ الأستاذ أن التعليم لا قيمة له إذا لم يعوِّد الطالب - ولا سيما في

البحث العلمي - أن يجد بنفسه حقائق العلم ونتائجها، ودرس العمل الخالص أو

العلم التطبيقي متأثر كل التأثر بنظرية الاستكشاف من جديد التي تسود في المعامل

والمصانع. 2

فأما الدروس الشفوية فقيمتها قليلة جدٍّا وهي تُعدُّ الطالب للبحث أو ترافق هذا

البحث أو تؤيد نتائج البحث في المعمل والمصنع اللذين هما البيئتان الحقيقيتان للدرس

العلمي، والمذكرات التي تكتب في المعمل والمصنع وتقيد فيها الجزئيات والظواهر التي

وصل إليها بحث الطلبة والتي هي الوصف الحقيقي للبحث الحقيقي هذه المذكرات هي

المقياس الصحيح لقيمة الدراسة، وليس مذكرات الدروس التي يلقيها الأساتذة والتي

هي كل شيء في أوروبا ليس لهذه المذكرات قيمة ما في أمريكا، وإنما يجب على الطالب

بأن ينتزع من الآلات والأدوات أسرار الظواهر والقوانين التي تديرها، وتقوي المهارة

في الأعمال اليدوية بتجارب تشتد قسوة من يوم إلى يوم فتنمي الرؤية في التوفيق بين

الوسائل والغايات، وتنمي الصبر على تحقيق أشياء شاقة تحتاج إلى الجهد وطول الوقت.

ويستمر انتصار العمل الشخصي والجهد الشخصي في المدارس العالية فتجاريب

الطلبة هي أساس الدرس، وعمل الأستاذ هو أن يرشد أشخاص الطلبة دون أن يحكمهم،

همه كله أن يُظهر الطلبة ميولهم الخاصة وقواهم العقلية وما لهم من ذكاء.

المدارس الأولية والثانوية إنما تعنى بأن تلقي في رءوس الأطفال المحبة المباركة

التي تنبت الإرادة، وأن تبعث فيهم منذ الطفولة حب العمل المتصل، وأن تعجل انتقالهم

من الخضوع إلى الاستقلال، وأن تُعدَّ بالتربية الصالحة فقراء التلاميذ لأن يكفوا أنفسهم

حاجات الحياة، لئلا يعتمدوا إلا على أنفسهم لأن يحتملوا أنفسهم.

2 هي أن يسير الأستاذ بالطالب في طريق الحقائق العلمية دون أن يدله عليها حتى يصل الطالب بنفسه

إلى أن يستكشف هذه الحقيقة كما استكشفها المستكشف الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت