فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 105

لم يبق من شك في صحة النظرية البسيكولوجية: نظرية التربية بواسطة الأعمال اليدوية،

ويمكن تلخيصها فيما يأتي حسب تصور الأمريكيين: كل حركة شعورية فهي منبعثة

عن إحدى الخلايا المحركة في المخ، والتفكير دون العمل يستطيع أن ينمي الخيال ولكنه

يترك الإرادة مهملة، فليس إلى نمو الإرادة من سبيل إلا العمل، وكل حركة عضلية تنعكس

على خلايا المخ بواسطة الحس وترتسم في منعكس الأضواء أشكالًا وصورًا، ولأجل أن

تضاعف قابلية المخ تقضي التربية الصحيحة بتنويع الحركات في الأعمال اليدوية حتى

تأخذ كل جماعة من الخلايا بنصيبها، ومن هنا يظهر أنك إذا أردت تنمية كل القسم

المحرك من المخ وجب أن تكثر من التمرينات العظيمة المتنوعة، وأن تنظفها بحيث تشحذ

الحس والتصور، وبحيث تبعث الفكرة وتقوي الإرادة، ويظهر أيضًا أن هذه الحركات إذا

أصبحت عادة فقد تحدث دون روية ولا تنمي الخلايا المحركة، وإذن فليس لها قيمة من

وجهة التربية، وإنما قيمة الأعمال اليدوية في أول عهدها حين تبعث على الحركة، وربما

استطاع التمرين الذي يتجاوز حدَّ التربية أن يعد للنمو الفني والصناعي، ولكنه ليس من

وسائل التربية، والأعمال اليدوية المتنوعة تتلخص في أربعة مذاهب: أولًا: مذهب التربية

وأصله في السويد. ثانيًا: المذهب العلمي وهو روسي الأصل. ثالثًا: المذهب الاجتماعي.

رابعًا: المذهب الفني.

فأما مذهب التربية فينظر إلى الأعمال اليدوية كما ينظر إلى الحساب والرسم والعلوم

الطبيعية، من حيث هي وسائل إلى التثقيف والتعليم تنبه الالتفات والتصور والحكم

الذي هو التربية» فروبل «وتنمي الملكات جميعًا تنمية صحيحة، وهو يعتمد على مبدأ

الفنلندي، وقد وصلت» لكجنوس «بواسطة العمل والذي يرجع فيه إلى الآثار المدرسية

في السويد، وانتشر» ناس «هذه المبادئ إلى شكل مذهب علمي في مدرسة المعلمين بمدينة

هذا المذهب حتى عم البلاد المتحضرة، متغيرًا بمقتضى الاستعداد والأخلاق والنفسيات

التي تختلف باختلاف الأجناس.

وأهم ما يعتمد عليه هذا المذهب هو اختيار النماذج، فإن هذه النماذج يجب أن

تكون من القيمة بحيث تُكره التلميذ على أن يبذل كل جهده في محاكاتها، وإذن فيجب

أن تتأثر هذه النماذج بمؤثراتٍ مختلفة كالذوق والأخلاق والبيئة، وهنا توجد الميزة

الحقيقية لهذا المذهب.

وليست قيمة النماذج في النماذج أنفسها فإن هذه النماذج ليست بمأمنٍ من التغير

والتبدل، وإنما هذه القيمة في الأسباب الثابتة التي تعتمد عليها هذه النماذج، فإن هذا

المذهب يلاحظ ملاحظة دقيقة الشدة التي يجب أن تزداد قليلًا قليلًا حسب تقدم الطالب

ونموه، ويلاحظ تأثير بعض الآلات في النمو العضلي وقدرة التلميذ على العمل في ظل

غيره، والنفع واللذة اللذين يجدهما التلميذ في تنفيذ عملٍ معين في وقتٍ معين.

ولقد وصلت أمريكا إلى ثراءٍ مادي لم يعرفه تاريخها من قبل، فلما تم لها ما أرادت

من الحاجات المادية ظهرت لها حاجات أخرى راقية لا يقنعها إلا الجمال، وإنما يظهر

هذا الميل الشديد في الجمال في الرسم والأعمال اليدوية، وقد ظهرت في مواضع كثيرة

مذاهب في التعليم ترمي إلى الجمال، فكثرت مدارس الفنون التطبيقية، واشتدت العناية

بإعداد أساتذة الفن، كما اشتد ازدحام الناس على الدروس الفنية العامة، وظهرت هذه

العناية نفسها في المدارس الأولية، وذلك بظهور مذاهب مختلفة في التربية الفنية، أشهرها

مدير مدرسة الفنون العامة في فيلادلفيا، فقد تزدحم غرف» تاد «وأغربها مذهب مسيو

هذه المدارس بالأطفال من بنين وبنات يضطربون جميعًا في أعمال يظهر أنها تلائم

أذواقهم، فمنهم من يعنى بخلق المناظر أو الإطارات المزخرفة، وآخرون يرسمون رسمًا

طبيعيٍّا، الطير والزهر والسمك والصدف والمعادن، ومنهم من فقد نموذجه فهو يجتهد

في أن يضع لنفسه هذا النموذج بواسطة الذاكرة، ولكن العناية تشتد جدٍّا بنوعين من

العمل يحبهما الطلبة حبٍّا شديدًا: صياغة النماذج، والخرط في الخشب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت