لقد قدمنا ما يدل على أن أساتذة الجامعة المستنيرين يشعرون بضعف مناهجهم
التعليمية، ولئن كانوا كما قلت في المقدمة لا يشعرون بسبب هذا الضعف، فشعورهم
بهذا الضعف نفسه يكفي دليلًا على قيمة تعليم الجامعة.
وحسبنا أن ننقل بعض ما يقولون:
» يخرج الطلبة من المدرسة وقد رأوا مختصرات كثيرة تمر أمامهم، وازدادوا مقادير
مختلفة من مواد غير قابلة للهضم، فهم لا يحسنون كتابة اللاتينية بل ولا قراءتها،
وهم لا يشعرون بشيءٍ من جمال الآداب القديمة التي حاولوا أن يتفهموا بمشقةٍ بعض
نصوصها، دون أن يقرءوا كتابًا كاملًا من كتب هذه الآداب، وأكثرهم عاجز عن أن يكتب
صفحةً واحدة دون خطأ إملائي وفي لغة فرنسية نقية. 6
ادرس أوراق امتحان الشهادة الثانوية، واحضر بعض الامتحانات الشفهية؛ لتعلم
إلى أي حدٍّ من العقم انتهت هذه الجهود الثقيلة التي بذلها أساتذة أكفاء مخلصون في
ستة أعوام أو ثمانية. 7
أعتقد أن ثلاثة أرباع الذين نالوا الشهادة الثانوية يجهلون الإملاء، وربما لم يكن
هذا الشر عظيمًا، ولكن إذا كان تعليم الآداب لا يعصم من هذا الشر فما قيمته؟ ولست
أشك في أن نِصف أصحاب الليسانس في الحقوق والآداب يجهلون أسهل مسائل الرياضة،
وأن أصحاب الليسانس في جميع أقسام التعليم يجهلون الجغرافيا، ولقد امتحنا طلاب
المدرسة البحرية فعرفنا قيمة التعليم الثانوي، ولست أدري لِمَ نلح في تسمية هذا التعليم
بهذا الاسم، فهو ليس ثانويٍّا ولا أوليٍّا ولا عاليًا، هو كل شيء وهو لا شيء، هو أثر من
الآثار القديمة لا يلائم هذا العصر الحديث، هو آثر من آثار النظام القديم وقد فقد
الحياة منذ ثلاثين سنة. 8
هذا بالدقة هو مركز تعليم الآداب القديمة في هذه الأيام، ضعف هذا التعليم وأحاط
به الخطر من كل مكان فأصبح لا يبعث الثقة كما كان يبعثها قديمًا، وأصبح يميل
إلى أن يكون نوعًا من الاختصاص بحيث تدرس اللاتينية واليونانية كما تدرس العبرية
والهندية وتصبح احتكارًا لبعض الممتازين دون أن تؤثِّر في تكوين العقل الفرنسي أو
الذكاء الفرنسي أو الخلق الفرنسي. 9
لا أتردد في أن أقول رأيي بصراحة: وهو أن تعليم الآداب القديمة لا يلائم حاجات
العصر، وأن الذين يعلِّمونها والذين يتعلَّمونها يرون هذا الرأي. 10
6 التحقيق البرلماني، ص 392 جزء 2، لاقوليه دكتور في الآداب.
7 التحقيق البرلماني، ص 449 جزء 1، منوفربيه خريج مدرسة المعلمين.
8 التحقيق البرلماني، ص 293 جزء 1، بيرار محاضرفي السربون وممتحِن في المدرسة البحرية.
9 التحقيق البرلماني، ص 170 جزء 1، رينه دوميك أستاذ بمدرسة أشتانسلاس.
10 التحقيق البرلماني، ص 367 جزء 1، برونو محاضرفي السربون (والآن عميد قسم الآداب في السربون) .