فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 105

الأمر في التربية كالأمر في التعليم، يجب أن يستحيل الشعوري إلى لاشعوري، وربما كان

ذلك أظهر في التربية منه في التعليم؛ فإن الأخلاق والخلال لا تُكسب بالمنطق أو البحث

النظري وإنما تكسب بالتمرين والتدريب. ومن هذه الأخلاق ما هو وراثي وهي أخلاق

الشعوب، فهذه الأخلاق محتاجة إلى قرون لتُكسب، وأثر التربية فيها قليل، ولكن التربية

مع ذلك تستطيع أن تقويها وتنميها. ولقد يحتاج المربي إلى كتبٍ مفصلة في تطبيق

هذه النظرية التجريبية دائمًا التي تنال التربية والتعليم معًا، ولكني أكتفي بأمثالٍ قليلة

سهلة:

تنمية الملاحظة والدقة: هاتان خصلتان تشتد الحاجة إليهما في كل وقتٍ وتقل العناية

بهما دائمًا، حتى قال بلاكي Blakie «من الناس من يذهب مفتوح العينين ولكنه لا

يرى شيئًا، وغريب جدٍّا أن نحدق ولا نرى؛ ذلك لأن أعيننا قد تعودت النظر في الكتب

لا في غيرها ففقدت القدرة على تحقيق العناية التي وجدت من أجلها، فلننظر إذن إلى

التعليم الأولي الذي يعلم الطفل أن ينظر فيرى، وينبها إلى ما يمكن أن يفوته لننظر

إليه كأنه التعليم الصحيح.»

أتظن أن هناك حاجة إلى طرق غريبة يجب اتخاذها لتربية الملاحظة والدقة؟ كلا!

يجب أن تتخذ طريقة سهلة ولكنها مجهولة، يجب أن يُنتفع بأوقات الرياضة التي

يقضيها التلاميذ متنزهين، فيؤخذ التلميذ بأن ينظر جيدًا ويرى جيدًا ويصف ما نظر

ورأى وصفًا دقيقًا بقدر الاستطاعة، وليس يجب أن يؤخذ التلميذ بأن ينظر كل شيء

فيراه ويصفه، وإنما يجب أن ينبه التلميذ إلى شيء صغير كنافذة من النوافذ أو شكل

عربة من العربات أو جزء من النافذة أو جزء من العربة، فإذا مضى أسبوع على هذا

النمو من التمرين، ثم سألت التلميذ أن يصف ما رأى، دُهشت لما تجد من دقة لم تكن

تنتظرها، وما تزال تنتقل به في هذا السلم قليلًا قليلًا حتى تصل به إلى أن يرى إجمالًا

ما كان يرى تفصيلًا، وهنا تستطيع أن تستغني عن دروس الإنشاء الفارغة السخيفة

التي يصف فيها التلميذ زوابع لم يرها ومعارك وقعت بين أبطالٍ لم يسمع عنهم إلا

في الكتب، تستطيع أن تستغني عن هذا الإنشاء، وتكلف التلميذ أن يصف ما رأى

وصفًا دقيقًا بقدر الاستطاعة، وأن يقدم لك إلى جانب هذا الوصف صورة مجملة،

ليس يعنينا منها القسم الفني وإنما تعنينا منها الدقة وحسن الملاحظة، هنالك يشعر

التلميذ بضعف ملاحظته وقلة حظه من الدقة، وهناك يشعر بالحاجة إلى أن يعيد

الملاحظة والتحديق فيما رأى ووصف، فقد يخيل إلينا حين نمر مرات متعددة أمام

شيءٍ من الأشياء أننا قد أحسنا علمه وأتقناه، حتى إذا أردنا أن نعيد ما علمنا في

وصف أو رسم عرفنا أن قد كان علمنا ناقصًا نقصًا شديدًا. فلا بد إذن من إعادة

النظر والملاحظة والوصف.

هذه طريقة سهلة ولكن أساتذة الجامعة يجهلونها الجهل كله، ولقد رأيت في

بلدٍ من بلاد أوروبا عجيب طائفة من تلاميذ مدرسة المعلمين، فلاحظتهم فإذا هم لا

ينقلون إلى ما حولهم ولا يدرسون هذا البلد درسًا قائمًا على الملاحظة، وإنما يدرسونه

في الكتب ويبحثون عن آراء رآها غيرهم فيه من قبل ليستعيروها دون أن يكوِّنوا

لأنفسهم منها رأيٍّا خاصٍّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت