فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 105

تنمية الميل إلى النظام والتضامن وقوة الحكم وما يشبهها: هذه الخلال من أشد

الأشياء لزومًا في الحياة؛ ولهذا عُني بها الإنجليز عناية شديدة فنمَّوها في نفوس

الشبان بواسطة الألعاب التي يسمونها ألعابًا مربية، والتي لا أتعرض لوصفها في

هذا الكتاب؛ لأنها خطرة شاقة، فلن يرضى عنها الفرنسيون الذين يحبون أبناءهم

ويشفقون عليهم من الخطر إشفاقًا شديدًا. فكلنا يعلم أن الأسر الفرنسية تكره أن

يتعرض أبناؤها للعنف والخطر، وأن المحاكم قد جعلت مدير المدرسة مسئولًا عما

يمكن أن ينال التلميذ من شر. وإذن فلن يرضى الآباء ولا الأساتذة عن مثل هذه

الألعاب، فلا فائدة من تفصيلها، ومع ذلك فأثرها في التربية عظيم؛ لأنها تبعث في

نفس الطالب الشعور بالقوة والتبعة والتضامن، وما إليها من الصفات التي ضمنت

للإنجليز السيادة. ويكفي أن أدلل على ما بيننا وبين الإنجليز من فرقٍ بمَثلٍ ذكرته

في بعض كتبي فدُهش له كثير من الناس: إذا استبق الإنجليز والفرنسيون في لعب

الكرة كان الفوز للإنجليز دائمًا؛ لأن الشاب الإنجليزي أثناء اللعب يحرص لا على أن

يفوز هو، بل على أن تفوز جماعته، فإذا أحس أن الحظ سيحول بينه وبين أن ينال

الكرة أعان رفيقه على أن ينالها، بينما الشاب الفرنسي لا يفكر إلا في نفسه فإما أن

يفوز هو وإما ألا يفوز أحد، فإذا أخطأه الحظ لم يعن رفاقه ولم يفكر في إعانتهم؛

لأنه لا يشعر بهذا التضامن وإنما يشعر بنفسه ليس غير؛ ولهذا الخلق أثره في حياتنا

العامة ... فالفرنسي آثر شديد الأثرة في جميع أطوال حياته، وقد جرَّ علينا هذا الخُلُق

مصائب وآثامًا ما نزال نذكر بعضها في الحرب الأخيرة.

هذه الألعاب التي لا نقدرها ويقدرها الإنجليز تكوِّن في نفوس الشبان خُلقًا جليل

الخطر يَكلَف به الإنجليز كلفًا شديدًا وهو ضبط النفس، يكلَفون به كلفًا شديدًا حتى

إن أحدهم إذا شعر بضعف هذا الخُلق عنده تكلَّف الخطر وتجشَّمَ الهول لتنميته

وتقويته. ولقد رأيت ضابطًا إنجليزيٍّا في إقليم من أقاليم الهند الوسطى موبوء تنتشر

فيه الأفاعي والحيوانات المفترسة بحيث يتعرض من خرج وحده أثناء الليل لضروب

الهلاك، رأيت هذا الضابط ذات ليلة يخرج من الفندق وقد آوى الناس إلى مساكنهم،

فسألته أين يذهب وحده في هذا الإقليم الخطير؟ فأجاب في خجلٍ احمر له وجهه إنه

يشعر بضعف قدرته على ضبط النفس، فهو يخرج؛ ليكتسب هذا الخلق، وقد عرفت

بعد ذلك أنه كان يخرج ليكمن للنمر في مخبأ بعيد ليس من الممكن أن تناله فيه

المعونة، وهذا خطر جدٍّا فقد يمكث الكامن فيه ساعات وربما مكث الليلة كلها دون

أن يرى شيئًا، ولكنه قد يرى النمر وهو ملزم أن يتحدث إلى نفسه طول كمونه بما

ينتظره من الخطر وأن يستعد له، فإذا أقبل النمر وجب على الكامن أن يكون من

حضور الذهن ورباطة الجأش بحيث يستطيع أن يصوب النار إلى رأس النمر فيقتله

في ثانيتين أو ثلاث؛ لأنه إن أخطأه أو جرحه فهو مقتول لا محالة. بهذا التعرض

للخطر يُكوِّن الإنجليز مزاياهم الخُلقية، وبهذه المزايا يسودون العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت