الكتاب الثالث
تعليم الجامعة في فرنسا
الفصل الأول
قيمة مناهج الجامعة
لنترك أميركا ولنعد الآن إلى جامعتنا.
في العصر القديم كان التعليم يكاد ينحصر في درس اللاتينية واليونانية واستظهار
ما كان معروفًا من مبادئ العلم، فكانت طريقة اليسوعيين ملائمة لهذا النوع من
الدرس، فكان تلاميذهم يصلون إلى كتابة اللاتينية ولم يكونوا محتاجين إلى إجهاد
الذاكرة ليستظهروا هذه المبادئ العلمية القليلة التي كانت معروفة يومئذٍ، فكان الاعتماد
على الذاكرة كافيٍّا لما يحتاج إليه ذلك العصر، ولكن نما العلم في العصر الحديث فظهرت
الحاجة إلى مناهج أخرى، ولم تستطع الجامعة أن تفهم هذا ولا أن تقدره، وإنما ظلت
تستخدم الذاكرة إلى الآن.
«ومن هنا كثرت البرامج المثقلة التي يُضاف إليها في كل يومٍ علم جديد، والتي
ترى فيها علم الصحة والحقوق والآثار تجاور اللغات الميتة والحية والرياضة والتاريخ
والجغرافيا إلخ ... وقد خُيل إلى الجامعة خطأ أنها بهذه الطريقة تصل إلى التعليم الجدي
العملي، فلم تصل إلا إلى التعليم السطحي، خُيل إلى الجامعة أن الطفل يجب أن يجمع
في ذاكرته هذا المقدار الضخم من العلم قبل أن يدخل في الحياة، فظهر أن هذا المقدار
الضخم لا يُعلِّم الطفل شيئًا.» 1
وفي الحق أنه لا يعلم شيئًا في فرع من فروع العلم، كما يثبت التحقيق البرلماني
الذي تتشابه أجزاؤه تشابهًا تامٍّا بحيث يمكن الاستغناء ببعضها القليل عن سائرها
الكثير.
1 منقول من التحقيق البرلماني.