لأصغر المدارس الثانوية معمل من معامل الكيمياء يستطيع الطالب فيه أن يحقق مقدارًا
من العمل الشخصي لا بد منه للحياة أو لدخول المدرسة، ولا يكاد الأمريكيون يعنون
بالدروس الشفوية في الكيمياء مهما تكن مقدرة الأستاذ ومهارته في إجراء التجارب، ولم
نجد مدرسة واحدة تكتفي بمثل هذا التعليم، ذلك أن الدرس الشفهي للعلوم التجريبية
لا يتفق مع النفسية الأمريكية ولا يستطيع الطلبة أن يصبروا عليه، ولا يكاد يوجد في
أمريكا كما يوجد عندنا أستاذ يجمع مئة من الطلبة أمام معمل توافرت فيه الأدوات
المختلفة للتجارب المختلفة، ولا يوجد هذا الأستاذ الذي يعمل باسم الطلبة ويلقي إليهم
بعد ذلك نتائج وصل إليها هو بالتجربة أو من الكتاب، وإنما أساس الدرس في العلوم
التجريبية عامة وفي الكيمياء خاصة هو المعمل؛ حيث يفكر الطالب ويعمل في وقتٍ واحد،
وكثير من المدارس لا تقرر الدروس الشفهية، فإذا قررتها بعض المدارس فعدد هذه
الدروس لا يتجاوز خمسة وعشرين درسًا لكل درس منها ثلاثة أرباع الساعة، وأكثر هذه
المدارس تقرر دروس الإلقاء فيدرس الطالب نظرية من النظريات ثم يأتي فيشرحها
أمام أستاذه ورفاقه.
ولقد تعود الأمريكيون الاعتماد على أنفسهم في كل شيء وفي الدرس بنوعٍ خاص حتى
أصبحت طريقتهم في درس العلوم التجريبية شديدة الظرف، توجد المسائل التجريبية
التي يراد حلها في كتب الدرس، وهي تعرض على الطلبة في ثبتٍ مخصص لها. 1
ترقى الدروس شيئًا فشيئًا بإجراء التجربة على طائفةٍ من الحوادث تمر تحت
أعين الطلبة وأيديهم، ولقد يدهش الذين يعرفون ملل تلاميذنا من دروس الكيمياء التي
تعتمد على الكتب إذا رأوا شغف الطلبة الأمريكيين بدروسهم المعتمدة على التجربة، والتي
تفيدهم في تربية نفوسهم وفي حياتهم العلمية أيضًا.
إن تلاميذنا ينظرون إلى الكيمياء الشفهية كما ينظرون إلى مجموعة مستقلة تتألف
من أشياء ليس بينها صلة، ويُخيل إليهم أن نظريات الكيمياء ليست مستنبطة من
الحقائق الواقعة، وإنما الشعور الدائم المتشابه الذي يبقى في النفوس من دروس
الكيمياء التي تسمى تجريبية - لأن يد الأستاذ من وقت إلى آخر تعبث فيها ببعض
الأدوات أمام الطلبة - هو أن النظريات والقوانين شيء أساسي لا بد منه، وأن الحقائق
الواقعة تتكلف موافقة النظريات، وأن علم الكيمياء كله معلق بنظرية الذرات، وإنه
بدون هذه النظرية لا سبيل إلى استكشافٍ أو تحليل، والمبتدئ يرى أنه قد تقدم كثيرًا
وإن لم يكن يعرف H 2 O في مادة الكيمياء إذا استطاع أن يطلق على الماء اسمه الكيمائي
شيئًا عن أصل هذه الصيغة أو معناها، بينما مناهج التعليم في أمريكا لا تعرِّض التلميذ
لمثل هذه الميول الخطرة، وإنما تنتهي بالطالب إلى شعور أقرب إلى الحقيقة، فإن العلم
المنظم يوصل إلى استكشاف حقائق جديدة، فهو يظهر الصلات بين الجزئيات وينتهي
إلى استكشاف القوانين والنظريات ويسهل البحث واستكشاف جزئيات أخرى.
وهذه النظريات في رأي التلاميذ تابعة للجزئيات موقوفة عليها، وهم يسترشدون في
أعمالهم بهذه الحقيقة الأساسية التي تضمن لهم الفوز.
يضع الأمريكيون مكان مناهجنا السلبية التي لا تعتمد إلا على حفظ الألفاظ مناهج
عملية مربية، تعتمد على الجهد والإدارة والمهارة العملية والمنطق، وهم يعنون في كثيرٍ من
المدارس عناية خاصة بالعمل في الكيمياء العددية، فيصلون إلى تمرينٍ نافع في المقاييس
ودقة غريبة في الملاحظة، وينتهون إلى نقد القوانين وتحقيقها، هذه القوانين التي يقبلها
الطالب على أنها حقائق نظرية. 2
1 ثم يفصِّل المؤلف بعض الطرق العملية التي تُتَّبع في مدارس أمريكا تفصيلًا نرى أن لا حاجة إليه.
2 ثم يضرب المؤلف أمثالًا أعرضنا عنها لعدم الحاجة إليها.