الأصول التي قدمت الإشارة إليها عامة جدٍّا، تتناول الإنسان كما تتناول الحيوان، وتتناول
الأفراد كما تتناول الشعوب، فالأصل في كل كسب عقلي إنما هو استخدام قانون تنادي
الخواطر في تحويل الشعوري إلى لاشعوري، وليست هناك وسيلة أخرى تؤدي إلى هذه
الغاية.
ولأجل أن نثبت ما زعمنا من عموم هذه الأصول نحاول الآن أن نطبقها على أشياء
شاقة كتكوين بعض الغرائز وأخلاق الشعوب. كثير من الغرائز إنما يتكون بواسطة
التأثير الآلي الذي يُحدثه تنادي الخواطر، فالماهر في ركوب الدراجة أو في فن من فنون
الموسيقى أو في الاحتفاظ بتوازن الجسم حين يمشي على الحبل، والطفل حين يتعلم
الأخلاق، كل أولئك يؤلف من الخواطر التي تتنادى في نفسه طائفة مختلفة يحتفظ
منها بأنفعها وأهداها إلى الغاية التي يسعى إليها هو أو معلمه، وبفضل هذه الطائفة
تتكون في نفسه ملَكة تُمكنه من إتقان الصناعة التي يحاول إتقانها، ولكن هذه الملَكة لا
تكون غريزة؛ لأنها ليست وراثية بعد، فإذا أصبحت وراثية واستغنت عن التربية وتهذيب
المهذب في وجودها فهي الغريزة.
يكفي أن نلاحظ الحيوانات المستأنسة التي تحيط بنا لنرى كيف أن تنادي الخواطر
يخلق في أنفسها حركات لاإرادية، وكيف تثبت هذه الحركات حتى تصبح لاشعورية ثم
تنتقل من جيلٍ إلى جيل فتصبح وراثية؛ أي تصبح غريزة، ولم يعن العلماء بعدُ عناية
كافية بهذا البحث، ولكنهم سيوفونه حقه حين يرون أن أثره عظيم في تربية الأطفال،
والأمثال التي تبين إيجاد الغرائز وخلقها بعد أن لم تكن، ليست كثيرة شائعة، ولكنها
موجودة وستكثر وتشيع، فللكلاب غرائز ليس من شكٍ في أنها قد استُحدثت بالرياضة
والتعليم ثم توارثتها الأجيال فأصبحت لازمة لهذا الحيوان. وهناك عادات لم تصل بعد
إلى مرتبة الغريزة ولكنها آخذة في الوصول إلى هذه المرتبة، فهناك مثلًا عادة جديدة
يصطنعها الكلب في اتقاء المكر الذي يتخذه بعض الصيد إذا جد في الهرب وألح عليه
الكلب فأتعبه، فهو يقيم مكانه صيدًا آخر يمضي في الهرب ليتبعه الكلب ويستريح هو.
فقد قال الأستاذ «كونو» إن الكلاب لم تؤخذ بهذا النوع من المكر إلا منذ ستين سنة ولم
تمهر فيه بعد ولم يصبح وراثيٍّا فيها. فلا بد من اصطناع التربية في كل جيلٍ، ولكن أثر
التربية يتناقض شيئًا فشيئًا، ولا بد من الاستغناء عنها استغناء تامٍّا بعد حين بحيث
تصبح هذه الخصلة غريزة ثابتة.
كل هذه الملاحظات تعيننا على أن نفهم أثر التربية في تكوين أخلاق الشعوب
وصفاتها حسنة كانت أم سيئة، فإن هذه الأخلاق والصفات إنما هي نتائج البيئة
والظروف التي تحيط بهذه الشعوب في عصرٍ من العصور، وقد تتغير البيئة وقد
تستحيل الظروف وتبقى هذه الأخلاق والصفات؛ لأنها نشأت عن الضرورة ثم استحالت
إلى غرائز تلزم الأمة في جميع أطوارها. فمن المعقول أن شعبًا يقيم في جزيرةٍ فقيرة
شاقة الإقليم مضطر إلى أن يكسب حياته وثروته بالعمل في البحر، وإلى أن يكون من
القوة والشدة بحيث يستطيع أن يقاوم آلام الجو وما يعترضه في سبيل الحياة من
المصاعب، فهو يروِّض نفسه بحكم الضرورة على هذه الخصال فيكسبها ثم يتوارثها ثم
تصبح خلالًا تميزه من غيره. ومن الواضح أن من الممكن جدٍّا أن توضع التربية مكان
الظروف والضرورات القاهرة بحيث تكسب الأجيال خصالًا تتوارثها فتصبح أخلاقًا
يرى هذا الأصل ويقول إن قرنًا يكفي لتغيير leibniz وغرائز نفسية، ولقد كان لينتز
أمة من الأمم وربما كان القرن قليلًا، ولكن ليس من شكٍ في أن التربية تستطيع أن تقوم
مقام الظروف والضرورات في تكوين أخلاق الأمم والشعوب.