ينحصر تعليم الجامعة للآداب في تحليل بعض الكتاب المعروفين وتغيير شيء من آثارهم
تفسيرًا نحويٍّا، وفي هذه الدقائق الكثيرة العقيمة التي يتقنها الأساتذة ولا ينتفع منها
التلاميذ. وقد شعر أساتذة الجامعة أنفسهم بعقم هذا التعليم ووصفه المسيو «فوييه»
وصفًا دقيقًا، فقال إنه مفسد للأخلاق مثبط للهمم؛ لأنه لا يصل بالتلميذ إلى جوهر
الآداب ولا يتعدى بها قشورها، ولا يتجاوز به ألفاظًا واصطلاحات يختلف فيها الشراح
والمفسرون.
ولو أننا أردنا أن ندرس الآداب درسًا نافعًا لبدأنا بكتب النحو وبالمختارات فحرقناها
ترفُّعًا، ولاستبدلنا منها طائفة من آيات الأدب فأخذنا التلاميذ بقراءتها وتفهمها آية آية
وكتابًا كتابًا، وللاءمنا بين ما يقرءون وما نكلفهم أن يكتبوا من موضوعات الإنشاء،
ولقارنا بين ما يكتبون وما يقرءون، فما هي إلا أن يظهر للتلميذ ضعفه ونقصه،
وموضع الخطأ فيما كتب وما بينه وبين ما قرأ من فرق فيصلح التلميذ بنفسه هذا كله
ويصل إلى ما عجزت الجامعة عن أن تصل به إليه من إتقان الفرنسية كلامًا وكتابة
وفهمًا، ومن إتقان الآداب والإحاطة بآياتها وبدائعها.
غريب أن تكون الآداب الشيء الوحيد الذي يدرس بالقراءة والشيء الوحيد الذي
تحظر الجامعة القراءة فيه، ولولا أن التلاميذ يختلسون الوقت وينتهزون الفرص
فيقرءون خفيةً لكان حظهم من لغتهم أقل وأضعف منه الآن.
هذه الطريقة التي أشرت إليها نافعة منتجة بالقياس إلى الآداب الفرنسية وإلى الآداب
الأجنبية قديمة وحديثة، فخيرٌ للتلميذ أن يقرأ» هوميروس «كله في ترجمة صحيحة متقنة
من أن يمضي السنين ليفسر منه صحفًا قليلة بواسطة المعجمات، وقل مثل هذا في غير
«هوميروس» ، وقل مثل هذا في غير الأدب القديم.