فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 105

(2)النظرية النفسية للتربية والتعليم: تحويل الشعوري إلى لاشعوري

إذا لم تكن الذاكرة أساس التربية والتعليم، فعلى أي ملكة من ملكات النفس تعتمد

التربية ويعتمد التعليم؟ ليس من شكٍ في أن أسس التربية والتعليم مستقلة استقلالًا

تامٍّا عن البرامج، ولكنها مستعدة لأن تطبق على هذه البرامج؛ ولهذا نرى البرامج متحدة

عند كثيرٍ من الأمم دون أن تتحد نتائجها، بل قد يظهر اتحاد البرامج ويدهشنا اختلاف

النتائج اختلافًا عظيمًا؛ ذلك لأن المربين من الأجانب قد استطاعوا أن يستكشفوا الأسس

الصحيحة التي يجب أن يعتمد عليها المربي والمعلم فانتهوا إلى نتائج لم نصل إليها

نحن، وإن كانت برامج التعليم والتربية واحدة هنا وهناك.

ولقد يمكن اختصار القواعد الأساسية النفسية للتربية والتعليم في صيغة واحدة

رددتُها كثيرًا في كتبي، وهي أن التربية هي الفن الذي يعين على تحويل الشعوري إلى

لاشعوري.

فإذا استحال الشعوري إلى لاشعوري بعث في النفس حركة لاإرادية متصلة، وإنما

السبيل إلى هذه الغاية - وهي تحويل الشعوري إلى لاشعوري - هو قانون تنادي

الخواطر، فيجب على المربي أن يحدث في نفس الطفل خواطر ينادي بعضها بعضًا يشعر

بها الطفل في أول الأمر ثم تصبح جزءًا لا شعوريٍّا من نفسه، ومهما يكن الشيء الذي

تريد أن تعلمه للطفل سواء أكان لغة أو فن اصطناع الدراجة أو ركوب الخيل أو التوقيع

على البيانو، فالحركة الآلية واحدة، وهي تحويل الشعوري إلى لاشعوري بواسطة تنادي

الخواطر الذي يخلق الحركة اللاإرادية. 1

بل نستطيع أن نقول إن تكوين الأخلاق بنوعٍ خاص قائم على هذه القاعدة، فليس

للأخلاق أثر في الحياة إلا إذا استحالت من الشعوري إلى اللاشعوري. هنالك ترشدنا

الأخلاق في الحياة وليس للعقل أثر في ذلك، وليس للكتب أثر فيه بنوعٍ خاص. ولقد أظهر

علم النفس الحديث أن أثر اللاشعوري في حياتنا اليومية أشد وأبعد من أثر الشعوري.

وإنما ينمى هذا اللاشعوري بإيجاد الحركة اللاإرادية، وهذه الحركة إذا تكررت

أصبحت عادة فإذا تكررت في أجيالٍ مختلفة أصبحت خلقًا مكونًا للجنس، وعمل المُربي

هو التأثير في هذه الحركة اللاإرادية بحيث يقويها إن كانت نافعة ويضعفها أو يزيلها إن

كانت سيئة، فنحن إذن نكاد نكون المؤثر اللاشعوري في حياتنا، ولكننا متى كوناه عجزنا

عن التأثير فيه فأصبح مسيطرًا على حياتنا، وإنما توجد هذه الحركة اللاإرادية بواسطة

خواطر متكلفة يدعو بعضها بعضًا، ذلك شأن الطفل حين يتعلم المشي وشأن الشاب إذا

تعلم التوقيع على البيانو أو أي فن يدوي آخر. وليس من شك في أن الحركة اللاإرادية

التي تخلقها التربية ليست من القوة بمكان الحركة اللاإرادية التي بعُد بها العهد.

1 قانون تنادي الخواطر أشهر من أن نفصله، وإنما نلفت القارئ إلى أن لهذا القانون صورتين ترجع

إليهما كل الصور الأخرى التي تتنادى فيها الخواطر: الأولى تنادي الخواطر بحكم المجاورة. الثانية

تنادي الخواطر بحكم التشابه. وصيغة الصورة الأولى هي أنه إذا تأثرت النفس بشيئين مختلفين في وقتٍ واحد أو في وقتين متتابعين مباشرة، فذِكْر أحدهما يُذكِّر بالآخر. وصيغة الصورة الثانية هي أن الخاطر الذي يخطر لك الآن يذكرك بما خطر لك في الماضي إذا كان يشابهه، وعلى الصورة الأولى تقوم دائمًا تربية الكائنات الحية، فتعليم الفرس مثلًا قائم على هذه الصورة التي تُستخدم فتنتج نتائج يظهر لنا أنها متناقضة، كوقوف الفرس فجأة إذا ضربته بالسوط أثناء العدو؛ ذلك لأن معلمه قد استخدم صورة تنادي الخواطر بحكم المجاورة أيامًا متوالية، فجعل يضربه بالسوط أثناء العدو ويوقفه بشد اللجام، وأنتج ذلك عند الفرس أنَّ وقْعَ السوط يستتبع الوقوف، فأصبح إذا أحس السوط وقف دون احتياج إلى جذب اللجام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت