فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 105

يزول الحد في المدارس الثانوية الأمريكية بين التهذيب العقلي والتعليم الصناعي، وقد

عُرضت مسألة التعليم المتوسط في أمريكا بنفس الطريقة التي عُرضت بها في أوروبا،

فقد نشأ إلى جانب المدارس القديمة التي كانت تعد للكليات مدارسُ متوسطة تحاول حل

المسائل التي تشغل البلاد الصناعية: وهي إعداد الطالب بالتعليم المتوسط ليشغل المراكز

العالية في الحياة العملية من جهة، وليستطيع أن يدخل المدارس العالية من جهةٍ أخرى،

ولأجل أن تتحقق الشروط اللازمة لدخول الجامعات وللحياة العملية اختلفت البرامج

اختلافًا شديدًا، فقد تجد فيها مواد التعليم مختلفة متباينة تجمع بين الشاعر اليوناني

إيسكيلوس وبين مسك الدفاتر والمساحة، ومن هذا الاختلاط تكونت طوائف مختلفة من

الدروس: منها قسم اليونانية واللاتينية، ومنها القسم اللاتيني الخالص، والقسم العلمي

الذي نجده في تعليمنا المتوسط.

وهذا التقسيم يوجد في أكثر المدارس المتوسطة الأمريكية، لا بطريقة محددة، بل

بشيءٍ من الحرية كثير، ونظام كثير من المدارس الثانوية في هذا العصر ليس هو نظام

الأقسام المنفصلة، وإنما يقوم على طائفةٍ من العلوم يكلف الطلبة جميعًا حضورها، ثم

إلى جانبها دروس كثيرة مختلفة يختار الطلبة منها ما يريدون، فاللغة الإنجليزية(ولها

ثلاث سنين أو أربع)والرياضة (ولها سنتان) فرعان عامان لا يكاد يعفى منهما أحد،

وربما أضيف إليهما التاريخ والعلوم الطبيعية واللغات الحية.

وفي بعض المدارس يخصص الجزء الأعظم من الوقت للدروس التي اختارها

الطالب حرٍّا، وفي بعضها الآخر يُخصص لهذه الدروس وقتٌ أقل من ذلك، ومن الغريب

أن الإحصاء يثبت أن عدد الطلبة الذين يدرسون اللاتينية مستقر لا ينقص، وقد أغارت

على أنها فرع اختياري، «بوستون» الأعمال اليدوية على المدارس القديمة، فأضُيفت في

وقد اشتد ميل الطلبة إلى هذه الأعمال التي درسوها في المدارس الأولى حتى إن الذين

ينتسبون إلى مدارس النظام القديم يستمرون في درس هذه الأعمال، فتعنى الفتاة

بالمطبخ والخياطة وغيرهما من الأعمال المنزلية، بينما يشتغل الفتى في المصنع، وفي

هذه النقطة وحدها يختلف الدرس بين الفتيان والفتيات، فأما فيما عدا ذلك فالدروس

الثانوية واحدة للجنسين، أما المدارس الثانوية الفنية فهي لا تعطي التعليم الصناعي

في الفنون الميكانيكية، وإنما هي مدارس تعليم عام كمدارسنا العادية، والعناية فيها

بدروس الرسم والأعمال اليدوية كالعناية بالحساب والجغرافيا والتاريخ، ودروسها

العلمية والأدبية واليدوية توافق كل الطبقات الاجتماعية وكل الشبان مهما تكن حياتهم

المقبلة، وسواء أَرغبوا في المحاماة أو في الطب أو في إدارة المصانع أو في أن يكونوا عمالًا

عاديين!

ولنضرب لذلك مثلًا تعليم الهندسة: ليس من سبيلٍ إلى درس الهندسة بقراءة

النظريات في كتاب أو بشرح هذه النظريات في درس شفهي، بل يجب أن تُضاف إلى

هذا أعمال مستقلة تلذ الطالب وترغبه في الدرس، وقد تصورت المدارس الأمريكية درس

الهندسة تصورًا ينمي في الطالب قوة الابتكار، ومواد الهندسة سهلة محسوسة تسمح

بعددٍ لا حدَّ له من التمرينات السهلة والصعبة، وليس للهندسة الأولية مناهج عامة

للاستدلال، وإنما يجب أن تدرس كل نظرية من حيث هي درسًا، يخالف قليلًا أو كثيرًا

درس غيرها من النظريات، اختراع هذا المذهب في الاستدلال تمرين عقلي أنفع وأقوى من

هذا التطبيق الآلي للمناهج العامة كحساب التبادل وحساب التوافق.

ولا يكاد يوجد فرق بين ما يدرس من الهندسة الوصفية في مدارس أمريكا وفي

مدارسنا، ولكنَّ للأساتذة الأمريكيين في دروس الهندسة الفراغية ضروبًا من الحدس

يستطيع أساتذتنا ومؤلفونا أن ينتفعوا بها، فهم يذهبون إلى أن أشكال الهندسة الوصفية

لا يمكن أن تمثل تمثيلًا بارزًا ولا أن تتخذ في رسمها المسطرة والبركار ولا أي آلة من

آلات الرسم، وإذا كانوا يرون الحدس أمرًا لا بد منه فهم يتخذون هذه الأشكال بواسطة

الخطوط والرسوم المادية وبواسطة مستطيلات من الصلب ومربعات زجاجية شفافة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت