إذا كان لك منهج من المناهج كُلفت بتطبيقه على شيء، وللجامعة منهج من المناهج هو
الاعتماد على الذاكرة فهي تصطنعه في كل شيء، تصطنعه في اللغات والآداب، تصطنعه
في الرياضة، تصطنعه في علم المواليد الثلاثة وتصطنعه في الطبيعة والكيمياء، فهي إذن
تدرس هذين العلمين درسًا قوامه الحفظ والاستظهار ومصدره الكتاب لا العمل، ويجب
على التلميذ أن يستظهر الصيغ والقوانين وأوصاف الأدوات وطرق اصطناعها. أما أن
يلجأ الأستاذ إلى المعمل أو إلى أداة من أدوات المعمل، أما أن يصطنع الأستاذ لشرح نظرية
من النظريات تجربة أو أداة، فذلك شيء نادر شديد الندرة. لا يمس التلميذ أداة من
أدوات المعمل فذلك محظور عليه، ولا يكاد الأستاذ يمس أداة من أدوات المعمل؛ لأنه
لا يحسن استعمالها من جهة؛ ولأنه يخشى أن يكدر صفو النحاس والمعدن إذا تناولته
الأيدي، فيجب أن يظل هذا النحاس والمعدن جميلًا خلابًا من دون الزجاج.
ولقد شعر بذلك علماء الجامعة أنفسهم فوصف هذا المنهج المسيو» لشاتلييه «في رسالة وضعها
عن درس العلوم، وبيَّن أن الأساتذة لا يعتمدون في درس الطبيعة على أدوات المعمل بل
على وصف هذه الأدوات، وهم يسرفون في هذا الوصف كما يسرفون في هذه الأدوات،
فربما حفظ الطالب ثلاث عشرة طريقة لقياس الحرارة حين لا يوجد في الواقع إلا اثنتان.
وليس حظ الكيميا بأحسن من حظ الطبيعة، فدرس هذا العلم لا يعتمد على المعمل ولا
على العقل، وإنما يعتمد على الذاكرة التي تستظهر الصيغ والقوانين والحروف دون أن
تنفع أو تنتفع. ولقد يرى مسيو» لشاتلييه- «وهو في ذلك محق - أن مصدر الشر في
درس العلوم التجريبية إنما هو الامتحان والمسابقات التي لا يفكر الأساتذة والمؤلفون إلا
فيها، فيلهيهم هذا التفكير عن العلم وعن التلميذ. وغريب أن عنايتهم بالامتحان لا تكفل
للتلميذ النجاح في الامتحان، ومهما نقل ومهما نُلح فلن تتغير مناهج التعليم في الجامعة.
وإذن فنحن نذهب بما سنقوله في هذا الموضوع مذهبًا فلسفيٍّا خالصًا.