ومن هنا كان أثر التربية ضعيفًا في تغيير الأخلاق والعادات التي توارثتها الجماعات والأجناس،
فإذا لم تتكرر هذه الحركات اللاإرادية التي خلقتها التربية ضعفت ثم انمحت؛ لأنها أثر
من آثار العادة، فإذا ذهبت العادة ذهبت معها. ومن هنا نجد الفارس والموسيقي كليهما
معني بفنه يمرن نفسه فيه من وقتٍ إلى آخر؛ حتى لا ينساه ولا يجهله. ومن الظاهر
أن بعض الحركات اللاإرادية قد يمانع بعضها الآخر، وأن إرادة قوية قد تستطيع ضبط
هذه الحركات، فإذا أدنى إنسانٌ يده من عين إنسان آخر أغمضت هذه العين بحكم
حركة لاإرادية، ولكن شيئًا من التمرين الإرادي يمكِّن الإنسان من أن يُبقي عينه مفتوحة
دون أن يغمضها.
والغاية العظمى التي ترمي إليها التربية إنما هي تنظيم الحركات اللاإرادية
الموروثة.
كثير من الناس لا يزالون كما كانت آباؤهم في العصور الأولى خاضعين لهذه
الحركات اللاإرادية يستجيبون لها دون نظام ولا تفكير، فهم كالسوداني الذي يبيع
غطاءه صباحًا بكأس من الخمر ليشتريه إذا أقبل الليل وأقبل معه البرد. فلا بد إذن من
تنظيم هذه الحركات تنظيمًا داخليٍّا نفسيٍّا، وقد وصل إلى هذا التنظيم ناس قليلون ولكن
الكثرة المطلقة من النوع الإنساني لا تزال بعيدة عنه، فأما هؤلاء الذين يستطيعون تنظيم
حركاتهم اللاإرادية فهم يكتفون بما لهم من بُعد النظر وحسن التدبر عن القوانين التي
تنظم هذه الحركات تنظيمًا خارجيٍّا، هم يضبطون أنفسهم بأنفسهم بينما غيرهم لا
يضبطه إلا القانون، وظاهر أن الجماعات التي تقوم على خوف الشرطة لا قيمة لها.
ومن اليسير أن تقاس سطوة الشعوب بعدد من فيه من أولئك القادرين على ضبط
نفوسهم بواسطة هذا النظام الداخلي، ولقد يصيب الإنجليز حين يقدمون على الفضائل
كلها فضيلة ضبط النفس، فهم مدينون لهذه الفضيلة بقوتهم وسلطانهم، ولقد كان
خليقًا بالحكيم القديم أن يكتب على داره» اضبط نفسك بنفس «لا» اعرف نفسك بنفسك «
،فإن معرفة النفس شاقة جدٍّا ولا تنتج إلا التواضع، بينما ضبط النفس يسير
وهو ينتج القوة في الحياة. وإذن فسبيل المربي أن يؤثر في هذه القوة اللاشعورية عند
الطفل، لا أن يتجه إلى عقله فليس لذلك فائدة، بل أقل نظام يؤخذ به الطفل أنفع وأجدى
من أرقى المذاهب الخلقية، على أن يكون هذا النظام قويٍّا متينًا لا مترددًا ولا ضعيفًا.
يجب إذن أن يوجد المربي في نفس الطفل حركات لاإرادية جديدة إلى جانب الحركات
اللاإرادية الموروثة، بحيث تقوي هذه الحركات الجديدة تلك الحركات الموروثة إن كانت
نافعة أو تغيرها إن كانت سيئة. النظامُ الخارجيُّ يوجِد النظامَ الداخليَّ إذا لم تكن هناك
مقاومة وراثية، فبحكم هذا النظام الخارجي يتعلم الصانع صناعته والجندي والبحار
فنيهما. وظاهر أن المناهج التي تُتخذ لإيجاد هذه الحركات اللاإرادية تختلف باختلاف
الموضوعات، ولكن الأصل واحد وهو تكرار الشيء الذي يؤخذ الطفل بتنفيذه حتى يحسن
هذا التنفيذ. هذه القواعد المبينة لا يشك فيها رجال الجامعة بالقياس إلى الفنون المختلفة
كالموسيقى والتصوير، ولكنهم لم يهتدوا بعد إلى هذه القواعد بعينها صالحة لكل ما
يكتسبه الإنسان، سواء أكان هذا علمًا أم فنًا أم صناعة، فإذا وصلنا إلى توجيه الرأي
العام نحو الاقتناع بهذه الآراء فقد أظن أن عشرين سنة تكفي لإقناع الأساتذة وغيرهم
بفساد نظامنا التعليمي الذي لا يقوم إلا على الذاكرة، ويومئذٍ ينهار هذا النظام كما
تنهار النظم القديمة التي لا تجد من يدافع عنها.